تحريف أحكام "الميراث" في "تونس" وسقوط "الأقنعة!"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
إن المتأمل في مواقف الإخوان: سيجد تباينًا في تقييم الموقف الواحد بيْن أن يُعتبر كفرًا إذا صدر مِن غير الإخوان، وأن يعتبر جائزًا، بل ربما واجبًا إذا صدر مِن غيرهم! كما اختلف تقييمهم لمشاركة "محفوظ نحناح" في الحياة السياسية في "الجزائر" بعد إلغاء الجيش الجزائري للانتخابات التشريعية التي فازتْ فيها جبهة الإنقاذ -والتي رأوها مِن حسن السياسة-، ولمشاركة "حزب النور" في الحياة السياسية في مصر بعد "3-7"، والتي اعتبروها خيانة وأوصلها بعضهم للكفر!
ومِن ثَمَّ يمكن القول بأن الإخوان لا يكفـِّرون بشبهةٍ عقديةٍ راسخةٍ -كما هي حال جماعات التكفير-، ولكن يكفرون بالهوى السياسي!"، ولعل هذا ما يحتاج منا إلى شيءٍ مِن البحث في جذوره بشيءٍ مِن التفصيل.
الإخوان والقطبيون والسروريون والتكفير بـ"الهوى السياسي!":
هل منهج الإخوان يتضمن الدعوة إلى التكفير والعنف أم أنهم بريئون مِن ذلك؟
أم أن هذه الأفكار يختص بها التيار القطبي سواء الذي بقي داخل الإخوان أم الذي انفصل عنها؟
تلك الأسئلة التي كان معظم المعنيين بمنهج جماعة الإخوان قبْل "30-6" يَرون أن العنف والتكفير دخيل على دعوة الإخوان في فترات الخمسينيات والستينيات، وسرعان ما انفصل عنها ليحمل أسماء جماعات أخرى ناصبت الإخوان العداء، وُوجدت بينها وبيْن الإخوان الكثير مِن المساجلات؛ إلا أن تبني الإخوان لخطابٍ تكفيري، وتورطهم في ممارسات عنيفة في "30-6" وما بعدها؛ أظهر مدى الحاجة للقراءة المتأنية لفكر الجماعة منذ عهد الأستاذ "حسن البنا" إلى الآن؛ لتفسير ظاهرة تحوُّل الجماعة بيْن عشية وضحاها إلى هذا الخطاب التكفيري العنيف، بل إن الأمر بعد "فض رابعة" لم يقتصر على الخطاب، وإنما تعداه إلى الممارسة!
وفي الواقع: إن القراءة المتأنية لفكر جماعة الإخوان في فترة الأستاذ "حسن البنا" وما تلاها مِن فترات، سواء التي ارتفع فيها المد القطبي أو التي خفت فيها، سيجد أن جماعة الإخوان منذ نشأت وفيها استعلاء عجيب على باقي الأمة، يمثـِّل "قاطرة تكفيرية جبارة"؛ إلا أن قيادة الجماعة أحيانًا ما تضع "مكابح" لهذه القاطرة التكفيرية؛ فتسير بـ"مركبة التيار الإخواني" في اتجاه محاولة قيادة الجماهير والاندماج معها بدلًا مِن تكفيرها.
وفي أحيان أخرى: تضع الجماعة نوعية أخرى مِن "المكابح الفكرية" تجعل العزلة التامة أو الشعورية مع عدم المبالاة بالجماهير بديلًا متوسطًا مِن وجهة نظر أصحابه عن التكفير الصريح "وهو الغالب على الفكر القطبي"، وأما في حالات الصدام مع السلطة، فإن الجماعة غالبًا ما تلجأ إلى "العنف" تحت عنوان: "الردع" (وهي فكرة تم التنظير لها على يد سيد قطب مِن أن التنظيم لا يتبنى العنف كخيار أصيل، وإنما يلجأ إليه لردع النظام في حالة المواجهة، والممارسات العملية للتنظيم الخاص في حياة الأستاذ حسن البنا تدل على أنه كان قائمًا على ذات فكرة الردع، وإن لم توجد مكتوبة في وثائق تلك الفترة الزمنية).
فعندما تقرر الجماعة تنفيذ "فكرة الردع" تُطلق العنان لفكرة الاستعلاء؛ ربما بلا مكابح أصلًا، وربما مع تأكيد أن "الناس لا تستأهل الإخوان، ولا تضحيات الإخوان!".
وقد حاول الإخوان قبْل "30-6" تحييد الدولة مع توجيه خطابٍ عنيفٍ ضد معارضيهم -والذين ضموا حينها أطيافًا شتى مِن الناس-، وكان التوجه حينها أن تكون خطة الردع موجهة إلى هؤلاء، ثم بعد "3-7"، وبصورة أوضح بعد "فض رابعة" تم بدء تنفيذ خطة "الردع" ضد الدولة، ولا بأس حينها لدى الجماعة أن يكون المواطن البسيط هو مسرح عمليات الردع التي تدعيها، فالمواطن البسيط هو الذي تُدمَّر شبكات الكهرباء التي تخدمه، ويرتفع سعر صرف الدولار، ومِن ثَمَّ سعر السلع، بل بلغ الأمر إلى حد نهي الناس عن "ذبح الأضاحي" حتى تركد الأسواق، وحتى يشعر الفقراء بالخدمات التي كانت تؤديها لهم جماعة الإخوان! وبالطبع فإن أسهل شيء عند منظري الجماعة في فترات الردع؛ إطلاق الفتاوى المحرضة على أفراد الجيش والشرطة.
وفي هذا الإطار: صعَّدت الجماعة -أو أبرزت- عددًا ممَن يتبنون خطابًا تكفيريًّا؛ فاستعادتْ خدمات "وجدي غنيم" الذي كانت الجماعة لا تبدي ارتياحًا كبيرًا لكلامه؛ حتى إنه كان مِن القليلين الذين لم يعودوا إلى مصر بعد "25 يناير"، وكذلك استعانت بخدمات "عصام تليمة"، وضمتْ إلى القائمة خدمات "محمد عبد المقصود"، و"محمد الصغير"، وناصرها عددٌ بخطاب تكفيري، أبرزهم "عبد الرحمن عبد الخالق!".
وهؤلاء ينتمون بدرجاتٍ متفاوتة إلى المدارس "الإخوانية والقطبية والسرورية"؛ بالإضافة إلى الاستعانة بمذيعين، مثل: "محمد ناصر"، والذي أراد أن يشارك في الموضوع، ولكن برؤيته مِن خلال استضافته لبعض هؤلاء، ومِن خلال بعض أفكاره، وكان مِن أشهرها: الفقرة الشهيرة التي يقول فيها: "إنه كافر بدين الشيخ أحمد الطيب، وبالإله الذي يعبده الشيخ حسان!".
ورأينا مِن تلك الكتيبة عجبًا عجابًا! فخرج أحدهم ليحكم بالكفر على شخصٍ بناءً على عبارة هي سبق لسان واضح، وعندما ينبهه "مذيع الجزيرة ذاته" أن الكلمة سبق لسان؛ قال: "لا شأن لي، أنا لي الظاهر!" (وهذه الدرجة مِن الغلو، وعدم اعتبار العذر بالخطأ؛ درجة لا تقول بها الجماعات التكفيرية ذاتها! والتي وإن كانت تنازِع في العذر بالجهل؛ إلا أنها لا تنازع في العذر بالخطأ).
وخرج "عبد الرحمن عبد الخالق" ببيان يكفـِّر فيه "نادر بكار"، بل يرى أن باب التوبة مغلق أمامه لتصريحات أصر على أن يفهمها بطريقته الخاصة!
ومثله "وجدي غنيم": والذي أصبحتْ فيديوهاته طافحة بالتكفير!
وكذلك "محمد عبد المقصود": والذي تخصص في رمي الناس بالعمالة والنفاق!
و"عصام تليمة": الذي توهم أن تسليم "تيران وصنافير" للسعودية ليس إلا ستارًا لتسليمها لإسرائيل، وجعل هذا الأمر وكأنه معلوم مِن الواقع بالضرورة، ثم استعان بفتاوى أهل العلم في الأزهر وغيره إبان نشأة دولة إسرائيل في ردة مَن يبيع الأرض لليهود، وركب هذا الوهم مع تلك الفتاوى، وتجرأ بغرابة شديدة على إطلاق القول بكفر كل مَن وافق على الاتفاقية؛ رغم أنه ممَن ينتقد التيار القطبي في جماعة الإخوان!