حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنك تراها (2) في الطريق إلى مكة
رمضان النجدي • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فهذه الحلقة الثانية مِن "حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنك تراها"، وقد ذكرتُ في الحلقة الماضية "الرسول في المدينة وذي الحليفة" أن الحجة المباركة 26 يومًا وليلة.
- يوم بالمدينة الجمعة 24 مِن ذي القعدة.
- ويوم بذي الحليفة السبت 25 مِن ذي القعدة.
وكانت قصتهم حلقتنا الماضية.
- وثمانية أيام مِن الأحد 26 ذي القعدة إلى الأحد 4 مِن ذي الحجة، قضاها النبي -صلى الله عليه وسلم- بيْن مكة والمدينة، وهي نص حديثنا الآتي:
في الطريق إلى مكة:
ركب النبي -صلى الله عليه وسلم- القصواء حتى إذا استوى عليها على البيداء حمد الله، وسبَّح وكبَّر، ثم أهلَّ بحج وعمرة، وأهل الناس بهما، وكان تحركه -صلى الله عليه وسلم- ومَن معه يوم الأحد 26 مِن ذي القعدة بعد صلاة الظهر، مِن ميقات ذي الحليفة -ميقات أهل المدينة- المعروفة اليوم بـ"أبيار علي"، متوجهًا إلى مكة، وكان معه أبو بكر وعمر وعثمان -رضي الله عنهم-، وعدد لا يُحصى مِن الصحابة -رضي الله عنهم-؛ قال جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: "نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلُ ذَلِكَ" (رواه مسلم) .
يا الله! لقد خرجت بعض هذه الجموع يومًا قبْل عشر سنوات فقط كانت بغيتهم يومها قطف رأس المصطفى -صلى الله عليه وسلم- لتنال جائزة أهل مكة، ولكنها اليوم تخرج يتوسطها المصطفى -صلى الله عليه وسلم- تفديه بأنفسها وأموالها وأبنائها! ( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) (يوسف:21) .
- لقد كانت راحلته -صلى الله عليه وسلم- عليها رث وقطيفة لا تساوي أربعة دراهم، ولما انبعثت به راحلته سبح وكبر وحمد الله، وقال: "لبيك حجة لا رياء فيها ولا سمعة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك"، وكان ذلك بعد ما أهل في مصلاه بعد صلاة الظهر، ثم ركب على ناقته على رحل، لا في محمل ولا هودج، وأهل بالحج أيضًا، ثم أهل بالحج لما استقلت به على البيداء.
قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "وايم الله، لقد أوجب في مصلاه، وأهل حين استقلت به ناقته، وأهل حين علا على شرف البيداء"، وقال أيضًا: "صلى رسول الله الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم وقلدها نعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج".
وأما أصحابه -رضي الله عنهم- فقد قالت عائشة -رضي الله عنها-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، فَلْيُهِلَّ ) (متفق عليه) ، وهذا في بداية الأمر، وسيتغير هذا الأمر في الطريق.
- أما متاعه وزاده -صلى الله عليه وسلم-: فكان ما تحمله زاملة أبي بكر -رضي الله عنه-، فكانت زاملته -صلى الله عليه وسلم- وزاملة أبي بكر -رضي الله عنه- واحدة.
ثم سار -صلى الله عليه وسلم- تحيط به القلوب وترمقه المقل، وتفديه المهج؛ فهو معهم كواحد منهم، لم توطأ له المراكب، ولم تتقدمه المواكب ولم تشق له الطرقات، ولم تنصب له السرادقات، وإنما سار بيْن الناس، ليس له شارة تميزه عنهم إلا بهاء النبوة وجلال الرسالة، يسير معهم وفي غمارهم، قال أنس -رضي الله عنه-: "كنتُ ردف أبي طلحة على راحلته، وإن ركبته لتكاد تمس ركبة رسول الله، وهو يقول: لبيك حجة وعمرة".
- لقد كان الناس حوله كما قال جابر -رضي الله عنه-: "نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَرَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ، وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ، وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ" (رواه مسلم) .
- تنزل عليه جبريل -عليه السلام- فقال: ( يَا مُحَمَّدُ، مُرْ أَصْحَابَكَ فَلْيَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ، فَإِنَّهَا مِنْ شِعَارِ الْحَجِّ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) ؛ فاهتزت الصحراء وتجاوبت الجبال بضجيج الملبين، وهتافهم بتوحيد رب العالمين: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، لبيك إله الحق، لبيك ذا المعارج، لبيك وسعديك، والخير في يديك والرغباء والعمل".
- زحفت تلك الجموع على هذه الحال؛ هتاف بالتلبية، وعجيج بالذكر، وإعلان بشعار الحج، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يلبي والناس معه يزيدون فيها وينقصون، وهو يقرهم ولا ينكر عليهم؛ فقد جاء عن بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- شيء مِن أنواع التلبية، فجاء عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك، مرغوبًا أو مرهوبًا، لبيك ذا النعماء والفضل الحسن"، وجاء عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- كما في صحيح مسلم: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد الله والنعمة لك والملك، لا شريك لك"، وكان عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- يلبي بهذا، ويزيد فيها: "لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل".
وروى أحمد وأبو داود في سننه عن يحيى بن سعيد عن جعفر عن أبيه عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: "أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَذَكَرَ التَّلْبِيَةَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ "ذَا الْمَعَارِجِ"، ويروى عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- كذلك أنه كان يقول في تلبيته: "لبيك حقًّا حقًّا، تعبدًا ورقًّا" ورواه الدارقطني في علـله، ورواه مرفوعًا وموقوفًا، ورجح وقفه.
فإذا لزم الحاج الملبي ما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو أولى.