حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنك تراها (2) في الطريق إلى مكة
رمضان النجدي • من نور الوحيين
وقد بُحَّت أصوت الصحابة -رضي الله عنهم- مِن لزوم التلبية، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فما بلغنا الروحاء حتى سمعتُ عامة الناس قد بحت أصواتهم مِن التلبية" (السنن الكبرى للبيهقي) .
- وتلبي المرأة كالرجل بصوت تسمع مَن حولها مِن النساء، ولا ترفع صوتها عند الأجانب، فقد خرج معاوية ليلة النفر؛ فسمع صوت تلبية، فقال: مِن هذا؟ قالوا: عائشة اعتمرت مِن التنعيم، فذكر ذلك لعائشة، فقالت: لو سألني لأخبرته".
- وقد كان الطريق مِن المدينة إلى مكة يحسب قديمًا على عشر مراحل، أي كل مرحلة قرابة الخمسين كيلو، فيكثر التوقف في أماكن توفر الماء والعشب والشجر، وهي أشبه بالاستراحات اليوم، فسار النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن الميقات حتى وصل إلى ملل -47 كم مِن المدينة- وصلى المغرب والعشاء فيها، ثم سار قليلًا وتعشى -صلى الله عليه وسلم-، والركب المبارك -رضي الله عنهم- بشرف السيالة، قالت عائشة: "أصبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الأحد بملل، ثم راح فتعشى بشرف السيالة، وصلى بالشرف المغرب والعشاء".
أما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو يقطع هذه الفيافي الفساح، وكأنما جبالها وآكامها وأوديتها تروي له خبرها، وتحدثه بمَن مرَّ بها؛ فتراءت للرسول -صلى الله عليه وسلم- أطياف الأنبياء الذين ساروا يؤمون هذا البيت قبله، كأنما يراهم أمامه ويرافقهم في مسيره، فحكى -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه ومِن خلفهم أمته حج الأنبياء قبله، وكان يقص -صلى الله عليه وسلم- كلما مرَّ بمكانٍ مِن الأمكنة التي سار فيها الأنبياء قبله، وكانت البداية بالروحاء، وقد وصلها يوم الاثنين 27 مِن ذي القعدة، فقد سار ما يقارب 23 كم حتى وصل عرق الظبية، وصلى الفجر صباح يوم الاثنين هناك، ثم تقدم قليلًا -3 كم- حتى وصل منطقة الروحاء -والروحاء: قرية صغيرة على بعد 73 كم مِن المدينة على طريق مكة- وصلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- في نهايتها، والآن الروحاء عُمرت بها منطقة تسمى المسيجد تقع بعدها بـ7 كم تقريبًا.
وبدأت حكاية حج الأنبياء:
قال أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه-: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَقَدْ مَرّ بِالرَّوْحَاءِ سَبْعُونَ نَبِيًّا، فِيْهِم نبيُّ اللهِ مُوسَى، حُفاةً، عَلَيْهِم العباءُ، يَؤُمّونَ بَيتَ اللهِ العتيق ) (رواه أبو يعلى والطبراني، وقال الألباني: حسن لغيره) .
- وقد وقع بالروحاء عدة أمور: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالرَّوْحَاءِ، فَلَقِيَ رَكْبًا فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، قَالَ: ( مَنِ الْقَوْمُ؟ )، فَقَالُوا: الْمُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: فَمَنْ أَنْتُمْ؟، قَالُوا: رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَفَزِعَتِ امْرَأَةٌ، فَأَخَذَتْ بِعَضُدِ صَبِيٍّ فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ مِحَفَّتِهَا، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: ( نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
- ولما كانُوا بالرَّوحاء، إذا حمار وحش عقير، فذكر ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: دعوه، فإنه يوشك أن يأتي صاحبه، فجاء البهزي وهو صاحبه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسول الله! صلى الله عليك وسلم، شأنكم بهذا الحمار؟ فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر، فقسمه بيْن الرفاق، ثم مضى، ثم صلى العصر عند المنصرف -منصرف الروحاء-.
وعن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- قال: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي حِجَّتِهِ الَّتِي حَجَّهَا، فَلَمَّا هَبَطْنَا بَطْنَ الرَّوْحَاءِ عَارَضَتْ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- امرأة لها صَبِيٌّ، فَسَلَّمَتْ عَلَيْهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَوَقَفَ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا ابْنِي فُلَانٌ، وَالَّذِي بعثك بالحق ما زال في حنق وَاحِدٍ مُنْذُ وَلَدْتُهُ إِلَى السَّاعَةِ، أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا. فأكسع إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَبَسَطَ يَدَهُ، فَجَعَلَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّحْلِ، ثُمَّ تَفَلَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فِيهِ-، ثُمَّ قَالَ: اخْرُجْ عَدُوَّ اللَّهِ، فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ نَاوَلَهَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِيَّاهُ فَقَالَ: خُذِيهِ، فَلَنْ تَرَيْ مَعَهُ شَيْئًا يَرِيبُكِ بَعْدَ الْيَوْمِ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى-.
قَالَ أُسَامَةُ -رَضِيَ الله عَنْه-: وَقَضَيْنَا حِجَّتَنَا، ثُمَّ انْصَرَفْنَا، فَلَمَّا نَزَلْنَا بِالرَّوْحَاءِ، فَإِذَا تِلْكَ الْمَرْأَةُ أُمُّ الصَّبِيِّ، فَجَاءَتْ وَمَعَهَا شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أُمُّ الصَّبِيِّ الَّذِي أَتَيْتُكَ بِهِ. قَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رَأَيْتُ مِنْهُ شَيْئًا يَرِيبُنِي إِلَى هَذِهِ السَّاعَةِ.