شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنك تراها (2) في الطريق إلى مكة

رمضان النجدي • من نور الوحيين

- قال أنس -رضي الله عنه-: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَقْفَلَهُ مِنْ عُسْفَانَ، وَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَقَدْ أَرْدَفَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، فَعَثَرَتْ نَاقَتُهُ، فَصُرِعَا جَمِيعًا، فَاقْتَحَمَ أَبُو طَلْحَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: ( عَلَيْكَ المَرْأَةَ )، فَقَلَبَ ثَوْبًا عَلَى وَجْهِهِ، وَأَتَاهَا، فَأَلْقَاهُ عَلَيْهَا، وَأَصْلَحَ لَهُمَا مَرْكَبَهُمَا، فَرَكِبَا . (رواه البخاري) .

- قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "لما مرَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- بوادي عسفان حين حج، قال: يا أبا بكر، أي واد هذا؟ قال: واد عسفان. قال: لقد مرَّ به هود وصالح -عليهما السلام- على بكرات، خطمها الليف، أزرهم العباء، وأرديتهم النمار، يلبون يحجون البيت العتيق" (إسناده حسن) .

- ويحكي سبرة بن معبد: "خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى إذا كنا بعسفان، قال سراقة بن مالك المدلجي: يا رسول الله، اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم، فقال: إن الله -عز وجل- قد أدخل عليكم في حجة عمرة، فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت، وسعى بيْن الصفا والمروة؛ فقد حل إلا مَن معه هدي" (زاد المعاد) .

- ودخل يوم الجمعة 2 ذي الحجة، فسار مِن عسفان ومر على وادي فاطمة ثم الجموم ثم بطن مر، وصلى الجمعة ظهرًا، وهذا كانت عادته في السفر -عليه الصلاة والسلام-.

- ودخل يوم السبت 3 ذي الحجة، فلما قرب النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن مكة نزل مكانًا يُقال له "سرف" -قرب التنعيم- عرض على أصحابه مَن لم يكن ساق الهدي أن يجعلها عمرة، ولم يعزم عليهم، ثم دخل على عائشة -رضي الله عنها- فإذا هي تبكي، فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: والله لوددت أن لم أكن خرجت العام، قال: فمالك؟ قالت: سمعت قولك لأصحابك ومنعت العمرة، فقال: "لعلك نفست؟" -أي حضت- قالت: نعم. فجعل -صلى الله عليه وسلم- يسري عنها ويواسيها ويتلطف بمشاعرها، ويقول: "إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، وإنما أنت امرأة مِن بنات آدم، كتب عليك ما كتب عليهن فلا يضرك، افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري، وكوني في حجك فعسى الله أن يرزقكيها" -أي العمرة-.

وهكذا كان -صلى الله عليه وسلم- خير الناس لأهله؛ برًّا بهم، ورعاية لمشاعرهم، واحتفالًا واهتمامًا بما يهمهم، وهكذا كانت أمنا عائشة -رضي الله عنها- مباركة في شأنها كله، فكان ما أصابها في هذا المكان تشريعًا ظاهرًا لنساء المسلمات إذا أصابهن ما أصابها، فصلوات الله وبركاته عليهم أهل البيت.

- وفي رواية عنها: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، وَلَيَالِي الحَجِّ، وَحُرُمِ الحَجِّ، فَنَزَلْنَا بِسَرِفَ، قَالَتْ: فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: ( مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الهَدْيُ فَلاَ )، قَالَتْ: فَالْآخِذُ بِهَا، وَالتَّارِكُ لَهَا مِنْ أَصْحَابِهِ قَالَتْ: فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَرِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَكَانُوا أَهْلَ قُوَّةٍ وَكَانَ مَعَهُمُ الهَدْيُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى العُمْرَةِ، قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: ( مَا يُبْكِيكِ يَا هَنْتَاهُ؟ ) قُلْتُ: سَمِعْتُ قَوْلَكَ لِأَصْحَابِكَ فَمُنِعْتُ العُمْرَةَ، قَالَ: ( وَمَا شَأْنُكِ؟ ) قُلْتُ: لاَ أُصَلِّي، قَالَ: ( فَلاَ يَضِيرُكِ، إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ، فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا ) (متفق عليه) .

- النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذي الحليفة ترك الأمر لهم في الإهلال ثم عرض عليهم هنا أن تكون عمرة لمن لم يسق الهدى، وسيأتي أنه أمرهم عند المروة.

- ولما قرب مِن مكة بات قريبًا منها يستريح هناك، ويتهيأ لدخولها نهارًا، فبات عند بئر "ذي طوى" في المكان المعروف اليوم بجرول أو آبار الزاهر، فلما صلى الصبح قال لأصحابه: ( مَنْ شَاءَ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً، فَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً ) (رواه مسلم) .

- ودخل يوم الأحد الموافق 4 ذي الحجة، فصلى الصبح -صلى الله عليه وسلم- على أكمة غليظة ودخل مكة ضحى، وقطع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الطريق بيْن مكة والمدينة في ثمانية أيام وتسع ليالٍ، تعرض فيها لنصب الطريق، ووعثاء السفر.

- فلما أصبح -صلى الله عليه وسلم- اغتسل ثم دخل مكة مِن ثنية كداء، وهي التي تنزل اليوم على جسر الحجون، وذلك ضحوة يوم الأحد جهارًا نهارًا؛ ليراه الناس فيقتدوا به، فأناخ راحلته -صلى الله عليه وسلم- عند المسجد، ثم دخل مِن الباب الذي كان يدخل منه يوم كان بمكة "باب بني شيبة"، فدخل -صلى الله عليه وسلم- الحرم فإذا هو على ملة أبيه إبراهيم ليس حول الكعبة صنم، ولا يطوف بها عريان، ولم يحج إليها مشرك، وهذه قصة الثمانية أيام التي قضاها -صلى الله عليه وسلم- "في الطريق إلى مكة"، وما وقع فيها مِن أحداثٍ، ولا زال للحديث بقية -إن قدر الله اللقاء والبقاء-.

اللهم ارزقنا حج بيتك الحرام.

الصفحة السابقة