شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنك تراها (2) في الطريق إلى مكة

رمضان النجدي • من نور الوحيين

قَالَ أُسَامَةُ -رَضِيَ الله عَنْه-: فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: يَا أُسَيْمُ -قَالَ الزُّهْرِيُّ: وهكذا كان يدعو به تحشمة- نَاوِلْنِي ذِرَاعَهَا، قَالَ: فَامْتَلَخْتُ الذراع فناولته إياها -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَكَلَهَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثُمَّ قَالَ: يَا أُسَيْمُ نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ، فَامْتَلَخْتُ الذراع فناولته إياها فَأَكَلَهَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُمَّ قَالَ يَا أُسَيْمُ: نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ قَدْ قُلْتَ نَاوِلْنِي، فَنَاوَلْتُكَهَا فَأَكَلْتَهَا، ثُمَّ قُلْتَ نَاوِلْنِي، فَنَاوَلْتُكَهَا فَأَكَلْتَهَا، ثُمَّ قُلْتَ: نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ، وَإِنَّمَا لِلشَّاةِ ذِرَاعَانِ! فَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَهْوَيْتَ إِلَيْهَا مَا زِلْتَ تَجِدُ فِيهَا ذِرَاعًا مَا قُلْتُ لَكَ" (أخرجه البيهقي في دلائل النبوة، وحسنه الحافظ ابن حجر في المطالب العلية) .

ثم صلى النبي -صلى الله عليه وسلم- المغرب والعشاء بالمعشي وتناول طعام العشى به.

ودخل يوم الثلاثاء 28 ذي القعدة، فمضى حتى إذا كان بالأُثَايةِ بين الرُّويثَةِ والعَرْجِ "إذا ظبيٌ حَاقِفٌ في ظِلٍّ فيه سهم، فأمر رجلاً أن يقف عنده لا يَرِيبُه أحدٌ مِن الناس، حتى يُجاوِزوا" (رواه النسائي وصححه الألباني) . ومعنى حَاقِفٌ: أي نائم قد انحنى مِن نومه.

وعن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أهدي له وشيقة، والوشيقة: وهي أن يؤخَذ اللحم, فيُغْلَى قليلاً ولا يُنْضَج، ويُحْمل في الأسفار, وقيل: هي القَديدُ.

- ولما أسفر عليه الصبح كان الركب المبارك وصل إلى منطقة العَرْجِ، ثم سار حتى إذا نزل بالعَرْجِ، وكانت زِمالتُه وزِمَالَةُ أبي بكر واحدة، وكانت مع غلام لأبى بكر، فجلس رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر إلى جانبه، وعائشةُ إلى جانبه الآخر، وأسماءُ زوجته إلى جانبه، وأبو بكر ينتظِر الغلام والزمالة، إذ طلع الغلام ليس معه البعير، فقال: أين بعيرُك؟ فقال: أضللتُه البارحة، فقال أبو بكر: بعير واحد تُضِلُّه. قال: فَطفِق يضربُه ورسولُ اللَّه -صلى الله عليه وسلم- يتبسَّم، ويقول: ( انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْمُحْرِمِ مَا يَصْنَعُ ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني) ، وما يزيد رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- على أن يقول ذلك ويتبسم. "ومِن تراجم أبي داود على هذه القصة: باب المحرم يؤدب غلامه"، وفي رواية قال: "هون عليك يا أبا بكر، فإن الأمر ليس إليك، ولا إلينا معك".

وهذا درس عظيم أن يستحضر العبد عقيدة القضاء والقدر في أدق تفاصيل حياته اليومية، وهي والله عبادة تطمئن معها النفس، وينشرح الصدر ويزداد سكينة ويقينًا "هون عليك فإن الأمر ليس إليك، بل وإلى رسول الله!".

ودخل يوم الأربعاء 29 ذي القعدة، فنزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الأربعاء السقيا، وهي ما تسمى اليوم -أم البرك-، وأصبح رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- في الأبواء، ولما كان رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- بالأبواء أهدى له الصَّعبُ بن جَثَّامَةَ عَجُزَ حِمَارٍ وحشىٍّ، فردَّه عليه، فقال: ( إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلاَّ أَنَّا حُرُمٌ ) (متفق عليه) ، وفي الصحيحين: " أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارًا وَحْشِيًّا "، وفي لفظ لمسلم: "لَحْمِ حِمَارِ وَحْشٍ".

- وفي هذا المكان احتجم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في وسط رأسه، فعن عَلقمةَ بنِ أبي علقمةَ عن عبدِ الرحمنِ الأعرجِ عنِ ابنِ بُحَيْنةَ -رضيَ اللهُ عنه- قال: " احْتَجَمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَهُوَ مُحْرِمٌ بِلَحْيِ جَمَلٍ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ " (رواه البخاري) . قوله: ( بِلَحْيِ جَمَلٍ ): موضع بطريق مكة، وقد وقع مبينًا في رواية إسماعيل المذكورة " بِلَحْيِ جَمَلٍ مِنْ طَرِيقِ مَكَّة".

- واستكمل -صلى الله عليه وسلم- قصة حج الأنبياء؛ فبعد أن صلى في الجحفة وهو خارج منها، مر بوادي الأزرق -هو ما يسمَّى اليوم وادي القاحة، وهو ما يعرف بغران 87 ميلاً مِن المدينة- فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ ) فَقَالُوا: وَادِي الْأَزْرَقِ، فَقَالَ: ( كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَاضِعًا إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَةِ، مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي ) (رواه مسلم) .

- ولما مر بثنية قال: ( أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ ) قَالُوا: هَرْشَى -بالقرب مِن الجحفة-، فَقَالَ: ( كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ، عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ لِيفٌ خُلْبَةٌ، مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي مُلَبِّيًا ) (رواه مسلم) . وهذا طريق الأنبياء، وقد سماها الأقدمون درب الأنبياء.

- والله إنها لقصة عظيمة، مفادها أن دين الأنبياء واحد "وهو الإسلام": ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ) (آل عمران:19) ، فلم ينزل مِن السماء إلا الإسلام، ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (آل عمران:85) ؛ فهذا قضاء الله، وإن رغمت أنوف وبلبلت، وكذبت وادعت!

- ودخل يوم الخميس 1 ذي الحجة، وصلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى القاحة ثم وادي عسفان، ودخل هلال الشهر، وذي القعدة في هذا العام كان ناقصًا.

وبعسفان وقعت عدة مشاهد:

الصفحة السابقة الصفحة التالية