شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الشرك الأصغر...شرح المنة (22)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

والتوسل في المشروع: هو ذكر ما يكون الدعاء به أقرب إلى الإجابة، وهذا أحد معاني التوسل العام، والتوسل العام هو التقرب، والدعاء من القربات، وقد يكون التوسل في الدعاء واجباً كما هو في سورة الفاتحة: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) (الفاتحة:6-7)، فلا تصح الصلاة من غير أن ندعو هذا الدعاء، ولا بد أن نتوسل ببداية الفاتحة: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ، وهذا توسلٌ بأسماء الله وصفاته، (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة:5)، وهذا توسلٌ إلى الله بالأعمال الصالحة.

* أنواع التوسل المشروع وغير المشروع في الدعاء:

1- التوسل المشروع:

الذي ورد في الكتاب والسنة من أنواع التوسل المشروع في الدعاء ثلاثة أنواع:

النوع الأول: التوسل إلى الله -عز وجل- بأسمائه وصفاته.

النوع الثاني: التوسل إلى الله -عز وجل- بذكر الأعمال الصالحة التي قام بها العبد.

النوع الثالث: التوسل إلى الله -عز وجل- بدعاء المسلم الصالح الذي دعا وهو حي حاضر.

النوع الأول:

وهو مأخوذٌ من قوله -تعالى-: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (لأعراف:180)

، وأدعية الكتاب والسنة كلها لا تخلو من ذكر الأسماء والصفات، فالعبد لا يسأل مباشرة بل يقول: (يا رب) أو (اللهم) فإنه توسل بالربوبية أو بالألوهية، والأدعية المستجابة التي ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما يدل على فضلها هي ذكر أسماء الله -تعالى- وصفاته، كما سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلاً يقول: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الحَمْدَ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ المَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ العَظِيمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ) .

وسمع رجلاً يَقُولُ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا أَللهُ بِأَنَّكَ الوَاحِدُ الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، فَقَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: (قَدْ غُفِرَ لَهُ) ثَلاثًا .

وجميع أذكار الصباح والمساء، والنوم، والدخول والخروج للبيت أو المسجد، والنزول، والسفر واللبس، والطعام والشراب، وجميع الأذكار الواردة ؛ هي أدعية فيها ثناء على الله -عز وجل- بأسمائه وصفاته، وسؤال الرب -سبحانه وتعالى- بأسمائه وصفاته، دون استثناء، وجميع أدعية المؤمنين في الكتاب وفي السنة كلها متضمنة التوسل إلى الله -سبحانه- بذكر الأسماء والصفات.

ولذلك نقول: هذا النوع من التوسل هو أعظم أنواع التوسل.

النوع الثاني:

وهو التوسل إلى الله بذكر الأعمال الصالحة بين يدي الدعاء، أو في خاتمته، كما ورد كثيراً مثل قوله -تعالى-: (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران:16).

ولا بد أن نفرق بين فعل الإيمان نفسه، بأن يؤمن الإنسان، فهذا ركنٌ من الأركان ولا يقبل الله قربةً بدونه وهذا هو التوسل العام الركن، وأما ذكر الإيمان في الدعاء فهذا من التوسل المستحب، أن يقول بين يدي دعائه: (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران:16)، (رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) (المؤمنون: من الآية109)، (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ) (آل عمران:193)

فذكر الإيمان في الدعاء هو التوسل الذي نقصده في الدعاء، أما فعل الإيمان نفسه، وأن يستجيب الإنسان لمنادي الرحمن فهذا فرض في التقرب، لا يقبل الله -عز وجل- من أحد تقرباً من غير أن يؤمن، أما لو لم يقل هذا الدعاء لكونه مثلاً لا يحفظه فلا بأس، أما الذي أوجبه الله علينا هو: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة:5)

ومن ذلك القصة المشهورة قصة الثلاثة الذين أُغْلِقَ عليهم الغار، فتوسلوا إلى الله -عز وجل- بأعمالهم الصالحة، قالوا: (إِنَّهُ لا يُنْجِيكُمْ إِلا أَنْ تَدْعُوا اللهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ)، فتوسل أحدهم إلى الله -عز وجل- ببر الوالدين والإخلاص في ذلك فقال: (اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ -وهو سقي والديه قبل صبيانه- ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ) ، والثاني توسل إلى الله -عز وجل- بترك الزنى بمن يحب مع قدرته على ذلك، وأنه ترك ابنة عمه التي هي أحب الناس إليه، وترك المال الذي أعطاها، فقال: (اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ) ، وتوسل الثالث بإعطاء الأجير حقه وتثمير ماله، وأنه أخلص إلى الله في ذلك فَفَرجَ اللهُ -عز وجل- عنهم .

الصفحة السابقة الصفحة التالية