شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الشرك الأصغر...شرح المنة (22)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

فصل في الشرك الأصغر

الشرك الأصغر: هو كل ذريعة وسبب يؤدي إلى الشرك الأكبر.

* من مظاهر الشرك الأصغر:

1-تعليق الخيوط والحِلَق وحدوة الحصان والخرز والودع والتمائم والأحجبة معتقداً أنها أسباب لدفع العين والحسد والشر، أما لو اعتقد أنها بذاتها تنفع وتضر، فهذا شركٌ أكبر في الربوبية.

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلا أَتَمَّ اللهُ لَهُ وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلا وَدَعَ اللهُ لَهُ) ، وفي رواية: (مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ) .

أما إن كان المعلّق من القرآن، فقد اختلف فيه العلماء، فكرهه كله عبد الله بن مسعود وأصحابه، وهو قول ابن عباس، وظاهر قول حذيفة وعقبة بن عامر وابن حكيم، ونُقِل جوازه عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعائشة، ولا يصح، والصحيح المنع منها ؛ لعموم النهي، وسداً للذريعة، ومنعاً لامتهانه ؛ لحمله أثناء قضاء الحاجة، ونحوها.

2- الرياء.

واعلم أن حقيقة الرياء: طلب الجاه، والمنزلة عند الناس بالعبادات، وهو مُشْتَقٌ من الرؤية، ومثله التسميع، أي: طلب سماعهم لعبادته، وطاعته.

وهو أقسام:

فتارة لا يُراد بالعمل سوى المخلوقين لغرض دنيوي، كحال المنافقين في صلاتهم، ولا يشك مسلم في حبوط هذا العمل.

وتارة يكون العمل لله ويشاركه وسلم-:من أصله، والنصوص تدل على بطلانه أيضا وحبوطه، كما قال -تعالى- في الحديث القدسي: (أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ) .

وتارة يكون أصل العمل لله، ثم طرأت عليه نية الرياء، فإن كان خاطراً ودفعه، لم يضره بلا خلاف، فإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك، ويجازى على أصل نيته ؟ فيه خلاف بين علماء السلف، ا.هـ ، وقد رجّح ابن رجب أنه يجازى على أصل نيته، ولكن لا شك أن أجره قد نقص.

3- الحلف بغير الله -تعالى-.

فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ كَفَرَ) ، وفي رواية: (فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ) .

4- التطير.

وهو التفاؤل أو التشاؤم بالطير، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الطِّيَرَةُ شِرْكٌ) .

أما لو اعتقد أن الطير ينفع أو يضر بذاته فهو شرك أكبر، ولو اعتقد أنها سببٌ في جلب النفع ودفع الضر فهو شركٌ أصغر، كمن يعتقد أن البومة سببٌ للشر، والحمامة سببٌ للخير، والطير الفلاني سببٌ للبركة في البيت، وكأولئك الذين يرشون الماء كسببٍ لجلب الرزق، فهذا كله شرك أصغر، أما لو اعتقد أنها هي التي تأتي بالرزق بذاتها، فهذا شرك أكبر.

5- التوسل البدعي.

كأن يقول للميت: ادع الله لي، استغفر لي، أما لو قال: أغثني، أو اغفر لي، أو ارحمني، أو ارزقني، أو اشفني، فهو شرك أكبر، وهو توسل شركي.

فصل في التوسل

وقضية التوسل من القضايا المهمة التي وقع فيها خلافٌ بين المتأخرين، والتوسل هو اتخاذ وسيلة توصل الإنسان إلى ما يريد، وقد ورد لفظ الوسيلة في القرآن في قوله سبحانه و-تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة:35)، وفي قوله -عز وجل- في الرد على المشركين الذين يدعون غير الله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً) (الإسراء:57).

وهي في هاتين الآيتين باتفاق أهل العلم بمعنى القربة، نقله ابن كثير في تفسيره عن ابن عباس -رضي الله عنه- ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد، وقال: وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه ا.هـ .

(يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ) ، أي يتقربون إليه، وذلك من علامات حبهم العظيم لله -عز وجل- فالذي يتقرب إلى الله، ويبتغي أن يكون قريباً من الله لابد أنه يحبه -سبحانه وتعالى-.

ومن هذا المعنى قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا سَمِعْتُمْ المُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِي الوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إِلا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ) ، فالوسيلة بمعنى المنزلة مأخوذة من القُرب، لأن القريب من الملك أو العظيم له منزلة قريبة منه، فهذه الوسيلة اسمٌ لدرجة في الجنة، قريبة جداً بل هي أقرب المنازل وأرفع المنازل عند الله -سبحانه وتعالى-، لا تنبغي إلا لعبد واحد وقد رجا النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يكون هو ذلك العبد -صلى الله عليه وسلم- ونسأل الله له الوسيلة.

فالوسيلة لغةً: ما يتوصل به إلى الشيء، ولها معنى آخر وهو المنزلة والدرجة والقربة وكلا المعنيين صحيحٌ شرعاً.

والتوسل منه الركن والواجب والمستحب:

فالتوسل الركن: هو التوسل إلى الله -عز وجل- بالإيمان به، فلا يقبل الله -تعالى- تقرباً إليه بغير إيمان به وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، فلابد أن يُتَقَرب إلى الله بذلك ؛ هذا هو المعنى المقصود بقوله -تعالى-: (يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ) ، فلو أن إنساناً تقرب إلى الله بأنواع القربات، وهو مُكذبٌ برسوله أو مُكذب بمَلَكٍ أو مُعَادٍ لمَلكٍ من الملائكة أو مكذب بالجنة والنار، أو مكذب بالقدر، لم يقبل الله -عز وجل- منه شيئاً، لأنه فرط في الوسيلة التي هي ركن والتي لا يقبل الله من أحد شيئاً بدونها.

والتوسل الواجب: هو توسل الإنسان إلى الله -سبحانه وتعالى- بفعل ما أمر وترك ما حرم.

والتوسل المستحب: هو التوسل إلى الله -سبحانه وتعالى- بفعل المستحبات.

الصفحة التالية