شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنك تراها (4) على صعيد عرفات

رمضان النجدي • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد وصل بنا الحديث في الحلقات الثلاثة الماضية إلى يوم التروية "8 مِن ذي الحجة"، واليوم نحكي مشاهد يوم عرفة، وقد وافق يوم الجمعة؛ فاجتمع الخير كله، وكان يومًا حافلًا بالشعائر والمشاعر!

مَن نال مِن عرفات نظرة ساعة نـال الـســرور ونــال كــل مـراد

فإلى ثرى عرفات مِن بزوغ فجر الجمعة إلى بزوغ فجر السبت يوم العيد، يوم الحج الأكبر.

- أشرقت الشمس على خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة "يوم عرفة"، وسار الركب الشريف مِن منى إلى عرفات، وجموع الحجيج تسير معه؛ سار -صلى الله عليه وسلم- ولا يظن قومه إلا أنه سيقف معهم في مزدلفة كما كان شأنهم في الجاهلية، حيث جعلوا لأنفسهم موقفًا خاصًّا يقفون فيه، ولا يقفون مع الناس في عرفة؛ إذ يرون لأنفسهم مكانة وتميزًا لجوارهم بيت الله، وأنهم بذلك لا يشاركون الناس في الوقوف في عرفات، ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- "الذي جاء بدينه للعالمين؛ لم يجئ به لفئةٍ مِن الناس يميزهم، ولو كانوا قومه وعشيرته" - تجاوزهم وسار ليقف مع الناس؛ عملًا بقول ربه: ( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ) (البقرة:199) .

- وهذا مشهد ثانٍ مِن مشاهد التبرؤ مِن الجاهلية ومظاهرها التي كانت لا زالت قابعة في بعض النفوس حديثة الإسلام: فقد سار النبي -صلى الله عليه وسلم- بالناس، ومع الناس قريبًا منهم؛ يدنو منه مَن شاء، ويكلمه مَن شاء؛ فهذا أعرابي يعرض له بيْن عرفات ومزدلفة يمسك بخطام ناقته وهي سائرة، ويوقفه والناس حوله يتساءلون: ما له؟ ما له؟ ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقطع عليهم تساؤلهم قائلًا: أرب ما له، -أي له شأن وله حاجة- وسأل الأعرابي: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال - -صلى الله عليه وسلم-: ( أَرَبٌ مَا لَهُ، تَعْبُدُ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ. دَعْ النَّاقَةَ ) (متفق عليه) .

- ووصل -صلى الله عليه وسلم- إلى نمرة، فإذا قبة قد ضربت له هناك، فجلس فيها حتى زالت الشمس، وركب راحلته القصواء، ثم نزل بها إلى بطن وادي عُرَنَة -وهو أرض دمثة فسيحة، يسهل اجتماع الناس عليها وجلوسهم فيها- فاجتمع الناس حوله في بطن الوادي، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- على راحلته مشرف عليهم، أطاف به الناس فعرفته العيون، وأصاخت له المسامع، واشْرَأبَّت له الأعناق، وخفقت بحبه القلوب، تتعلق بمحياه، وتتلقف قوله؛ فتطاول -صلى الله عليه وسلم- للناس قد أمكن قدميه في الغرز، واعتمد على مقدم الرحل، وأشرف للناس ليخطبهم خطبة عظيمة، جمع فيها معاقد الدين، وعصم الملة، وتعظيم الحرمات، فدوى صوته بيْن أهل الموقف، حامدًا الله، مثنيًا عليه.

ثم قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ ) (رواه مسلم) .

ثم أقبل -صلى الله عليه وسلم- على هذه الجموع يستشهدهم شهادة عظيمة؛ شهادة البلاغ والأداء، ويقررهم بجواب السؤال إذا سئلوا يوم القيامة: ( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ) (الأعراف:6) ، فقال لهم: ( وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ ).

ألا ما أعظم السؤال!

وما أعظم المقام!

ثلاث وعشرون سنة قضاها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بلاغٍ ودعوة، وصبر ومصابرة، وجهد وجهاد؛ أُخْرِجَ -في سبيل بلاغ رسالات الله- مِن بلده وهي أحب البلاد إليه، وقوتل في بدر، وأصيب في أُحُد، وحوصر في الخندق، وشد على بطنه حجرين مِن الجوع وصُدَّ عن البيت، وقُتِل أقاربه وأقرب الناس إليه بيْن يديه؛ كل ذلك بلاغًا للدين وأداءً للرسالة، ومع ذلك يسأل ويستشهد على بلاغه أمته، فأجابته هذه الجموع كلها بالجواب الذي لا يمكن أن تجيب بغيره، وشهدت بالشهادة التي لا يحق لها أن تشهد بسواها،

نطقتْ هذه الجموع بصوتٍ واحدٍ: "نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ"، فرفع -صلى الله عليه وسلم- إصبعه الشريفة إلى السماء، وجعل ينكتها إلى الناس وهو يقول: ( اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ اشْهَدْ ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.

- ونحن اليوم بعد ألف وأربعمائة سنة نشهد للرسول -صلى الله عليه وسلم- بما شهد له به أصحابه، أنه قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركنا على المحجة البيضاء، لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلى الله وسلم وبارك عليه.

الصفحة التالية