حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنك تراها (4) على صعيد عرفات
رمضان النجدي • من نور الوحيين
- وكان مِن عجاب هذا الموقف أن الذي كان يبلـِّغ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للناس، ويصرخ فيهم بمقاله هو "ربيعة بن أمية بن خلف!"؛ هذا الذي قتل أبوه في بدر هبرًا بالسيوف وهو يقاتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإذا ابنه يبلغ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويصرخ في الناس بكلماته؛ ألا إنها أنوار النبوة، وهدي الرسالة، أطفأت تراث الجاهلية في القلوب التي كانت تتوارث الحقد، وتستعر فيها حرارة الثأر، فتبدلت وعادت خلقًا آخر لما هطلت عليها فيوض النبوة؛ فـ( اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) (الحج:5) ، فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحب إليهم مِن آبائهم وأمهاتهم وقلوبهم التي بيْن جوانحهم ( ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ ) (الأنعام:88) .
- فرغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِن خطبته؛ فأذن بلال وأقيمت الصلاة، فصلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الظهر والعصر قصرًا وجمعًا، ثم ركب راحلته ودفع إلى عمق عرفة ليقف عند ذيل الجبل عند الصخرات مستقبلًا القبلة، رافعًا يديه داعيًا وملبيًا، وكان -صلى الله عليه وسلم- مع وقوفه في مقامه ذلك قائمًا بأمر الناس؛ تعليمًا ورعاية، وتوجيهًا ودلالة؛ يأتيه ناس مِن أهل نجد يسألونه عن الحج، فيقول لهم: ( الْحَجُّ عَرَفَةُ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، ويخاطِب الناس قائلًا: ( وَوَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَوَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ ) (رواه مسلم) ، وأرسل للناس وهم في فجاج عرفة صارخًا يصرخ بهم: "أن كونوا على مشاعركم، فإنكم على إرثٍ مِن إرث أبيكم إبراهيم".
- ويسقط رجلٌ مِن أهل الموقف عن راحلته فتنفصم عنقه ويموت؛ رجلٌ مِن غمار الناس؛ لا نعرف اسمه، ولا قبيلته، ولا بلده، ولكن ربه الذي خلقه يعلم حاله وإليه مآله، فيقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا ) (متفق عليه) .
- وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في موقفه ذلك بارزًا للناس، مشرفًا عليهم؛ يجيئه أعرابي مِن قيس يُقال له: ابن المنتفق وصِف له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتطلبه حتى لقيه بعرفات، قال: فزاحمت عليه، فقيل لي: إليك عنه، فقال: دعوا الرجل، أرب ماله، قال: فزاحمت حتى خلصت إليه فأخذت بخطام راحلته فما غير علي، قال: شيئين أسألك عنهما: ما ينجيني مِن النار، وما يدخلني الجنة؟ قال: فنظر إلى السماء ثم أقبل إلي بوجهه الكريم، فقال: "لأن كنت أوجزت المسألة لقد أعظمت وطولت فاعقل علي: اعبد الله لا تشرك به شيئًا، وأقم الصلاة المكتوبة، وأدِّ الزكاة المفروضة، وصم رمضان".
وجاء الأعراب الذين وافوا الموقف يطيفون برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويدنون إليه ليروا محياه، فإذا استنار لهم وجهه، قالوا: "هذا الوجه المبارك!"، وينزل الروح الأمين على قلب محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- بالوحي مِن ربه في هذا الموقف العظيم بهذه الآية العظيمة الشاذة الفاذة: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (المائدة:3) ، فسري عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقرأها على الناس معلنًا كمال الدين وتمام النعمة، وعبودية البشر بالإسلام الذي رضيه لهم ربهم ولم يرضَ لهم سواه، فلما سمعها عمر -رضي الله عنه- فقهها واستشعر مِن معناها أن مهمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد انتهت بكمال الدين، وأنه يوشك أن يلحق بربه الذي أرسله، فاستعبر باكيًا، وهو يقول: "ليس بعد الكمال إلا النقصان!".
- أما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد قضى عشية يومه تلك في حالٍ مِن التضرع، واللهج بالدعاء حتى ظن أصحابه أنه قد صام يومه ذلك؛ لما رأوا مِن انقطاعه للعبادة والدعاء، فأرسلت إليه أم الفضل -رضي الله عنها- بقدح لبن، وهو واقف على بعيره، فشرب منه والناس ينظرون إليه، وكان في دعائه رافعًا يديه إلى صدره، كاستطعام المسكين منكسرًا لربه -عز وجل- حتى إنه عندما اضطربت به راحلته فسقط خطامها تناوله بيد، وأبقى يده الأخرى مبسوطة يدعو بها.
- وكان -صلى الله عليه وسلم- لهجًا بالثناء على الله تهليلًا وتحميدًا وتلبية: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد لك، والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك إله الحق"، وكأنما جاشت أشواق الرسول -صلى الله عليه وسلم- واستشرف قرب الأجل فسمع عشية ذلك اليوم وهو يزيد في تلبيته: "لبيك إن العيش عيش الآخرة".
- وتقضَّت ساعات النهار ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- على حاله تلك؛ خشوع وخضوع، ولهج بالدعاء والذكر، حتى إذا تناهى النهار دعا بأسامة بن زيد ليكون ردفه، فتنادى الناس يدعون أسامة واشرَأبَّت أعناق الأعراب ينتظرون هذا الذي حظي بشرف ردف النبي -صلى الله عليه وسلم-، وظنوه رجلاً مِن كبار أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، فما فجأهم إلا وشاب أسود أفطس أجعد يتوثب ناقة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم يلتزمه مِن خلفه ليكون له -مِن بيْن أهل الموقف كلهم- شرف الارتداف مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال حدثاء العهد بالإسلام متعجبين: "أهذا الذي حبسنا ابتغاؤه!".
وكأنما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بهذا الاختيار يعلن تحطيم الفوارق بيْن البشر، ويدفن تحت مواطئ راحلته النعرات الجاهلية، والفوارق الطبقية، والنزعات العنصرية؛ ليعلن بطريقة عملية أنه لا فضل لعربي على أعجمي، ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى.