حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنك تراها (4) على صعيد عرفات
رمضان النجدي • من نور الوحيين
- فلما آذنت الشمس بالغروب أقبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على بلال، فقال: يا بلال استنصِت الناس، فأنصت الناس لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليفيض على قلوبهم البشرى بالفيض الغامر مِن رحمة الله وعفوه، قائلًا: "أيها الناس أتاني جبريل آنفًا، فأقرأني السلام مِن ربي، وقال: بشِّر أهل الموقف والمشعر أن الله قد غفر لهم، وتحمل عنهم التبعات"، فقال عمر: يا رسول الله، هذه لنا خاصة؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: "بل لكم، ولمَن بعدكم إلى يوم القيامة"، فقال عمر: "كثر خير الله وطاب".
أي والله! كثر خير الله وطاب!
- فلما وجبت الشمس وغاب قرصها، أشار -صلى الله عليه وسلم- للناس قائلًا: ( ادْفَعُوا بِاسْمِ اللَّهِ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) ، فدفع الناس معه، وهو -صلى الله عليه وسلم- في حطمة الناس وغمارهم، ليس له طريق خاص، وإنما هو -صلى الله عليه وسلم- مع الناس وهو إمام الناس، لا يدفع أحد أمامه، ولا يصد أحد مِن ورائه، وقد رفع يمينه المباركة يشير إليهم بسوطه قائلًا: "رويدًا أيها الناس، السكينة السكينة، إن البر ليس بإيجاف الركاب"، وإذا سمع حطمة الناس خلفه وتدافعهم؛ تطاول وأشار إليهم: ( أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ، السَّكِينَةَ ) (رواه مسلم) ، يقول ذلك وهو أول مَن فعله، فقد شنق راحلته وكبح زمامها، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله مِن شدة كبحه لزمامها.
وظل النبي -صلى الله عليه وسلم- في مسيره ذلك عليه السكينة والجلال والوقار، فلما بلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الشِّعب الأيسر الذي دون المزدلفة أناخ، ثم ذهب إلى الغائط فبال، فلما رجع صبَّ عليه أسامة -رضي الله عنه- الوضوء مِن الإداوة، فتوضأ فلم يسبغ الوضوء، فقال له أسامة بن زيد -رضي الله عنه-: الصلاة يا رسول الله! فقال: ( الصَّلَاةُ أَمَامَكَ ) (متفق عليه) ، فركب حتى أتى المزدلفة، فنزل فتوضأ فأسبغ، ثم أقيمت الصلاة فجمع بيْن المغرب والعشاء بأذانٍ واحد وإقامتين، ولم يسبِّح بينهما شيئًا؛ صلى المغرب ثلاث ركعات، ثم أناخ كلُّ إنسان بعيره في منزله، ولم يحلُّوا حتى أقام العشاء الآخرة، فصلى العشاء ركعتين؛ ثم حلُّوا.
- واستأذنت سودة بنت زمعة أن تدفع قبْل حطمة الناس، وكانت امرأة ثبطة -ثقيلة-؛ فأذن لها، فدفعتْ قبْل حطمة الناس، وقدّم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضعفة أهله "فيهن أم حبيبة، وأم سلمة، وأغيلمة عبدالمطلب، وفيهم ابن عباس بليل"، وقال: ( يَا بَنِي أَخِي، يَا بَنِي هَاشِمٍ، تَعَجَّلُوا قَبْلَ زِحَامِ النَّاسِ، وَلَا يَرْمِيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْعَقَبَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
- وكان يقول -صلى الله عليه وسلم- في جمع: "لبيك اللهم لبيك"، ثم هجع -صلى الله عليه وسلم- ليلته تلك إلى السحر، بعد يوم طويل حفيل بحلائل الأعمال، ونهار عامر بالعبادة والدعاء والذكر، والتعليم والإرشاد، والدلالة على الخير.
- وتنفس الصبح وأضاءت خيوط الفجر الأولى، وقام -صلى الله عليه وسلم- مسارعًا إلى صلاة الفجر، فصلاها في غاية البكور في أول الوقت، ثم ركب راحلته وتوجَّه إلى المشعر الحرام؛ فرقى عليها فاستقبل القبلة ورفع يديه يدعو ويلبي، ويكبر ويهلل على حال مِن الضراعة والخضوع، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، وقال: ( قَدْ وَقَفْتُ هَاهُنَا, وَمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني) .
- وهو -مع ذلك- يعلِّم الناس ويبين لهم، فقد جاءه عروة بن مضرس، فقال: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْمَوْقِفِ، يَعْنِي بِجَمْعٍ قُلْتُ: جِئْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ جَبَلِ طَيِّئٍ؛ أَكْلَلْتُ مَطِيَّتِي، وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي، وَاللَّهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ حَبْلٍ إِلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَأَتَى عَرَفَاتَ، قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) . ( مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ ): يعني صلاة الفجر بجمعٍ.
- وبقي -صلى الله عليه وسلم- في المشعر الحرام حتى أسفر جدًّا، وقاربت الشمس أن تطلع.
وكان هذا هو يوم "عرفة" في حجة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-.
فاللهم ارزقنا وقوفًا على عرفات، واغفر لنا وارحمنا.