حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنك تراها (5) يوم الحج الأكبر
رمضان النجدي • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فموعدنا مع الحلقة الخامسة مِن "حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنك تراها"، وهي الحديث عن يوم النحر "يوم الحج ا?كبر"؛ ذلك اليوم الميمون المبارك، يوم العيد، وقد وافق يوم السبت حينها، وقد قام فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- بأعمال الحج كلها؛ لذا سمِّي بيوم الحج ا?كبر.
وهاكم تفاصيل ووقائع هذا اليوم العظيم:
- دفع النبي -صلى الله عليه وسلم- ركابه الميمون مِن مزدلفة قبْل طلوع الشمس مخالفًا هدي المشركين، فإنهم كانوا لا يدفعون مِن مزدلفة إلا عند طلوع الشمس على رؤوس الجبال، مثل عمائم الرجال، فدفع -صلى الله عليه وسلم- وهو على حالٍ مِن السكينة، وكان نداؤه للناس حين دفعوا معه: ( أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ، السَّكِينَةَ ) (رواه مسلم) ، وهو كاف ناقته، كحاله في شأنه كله -صلى الله عليه وسلم- رفيق يحب الرفق.
- حتى إذا وصل وادي محسر -بيْن مزدلفة ومنى- أسرع قدر رمية بحجر، وأردف ابن عمه الفضل بن العباس بن عبد المطلب، وأمره أن يلقط له حصى الجمار، فالتقط له سبع حصيات صغار بحجم حبة الحمص أو أكبر قليلًا، فوضعهن في يده، ثم قال للناس: ( بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني) .
- حتى إذا وصل النبي -صلى الله عليه ومسلم- إلى جمرة العقبة استقبلها جاعلًا منى عن يمينه، ومكة عن يساره، ومعه بلال وأسامة، أحدهما ممسك بخطام ناقته، والآخر رافع ثوبًا يظللـه به، وهو يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات، يكبِّر مع كل حصاة، وقطع التلبية التي كان قد لهج بها مع رميه وتكبيره عند جمرة العقبة، وكان في شأنه كله متواضعًا لله، معظمًا لشعائره.
قال قدامه بن عبد الله -رضي الله عنه-: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ صَهْبَاءَ، لَا ضَرْبَ، وَلَا طَرْدَ، وَلَا إِلَيْكَ إِلَيْكَ" (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني) .
- وازدحم الناس حوله فقال: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَإِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ فَارْمُوا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ ) (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني) ، وقال: ( لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ ) (رواه مسلم) .
- وكان الناس حوله يصله مَن شاء منهم، الرجل والمرأة، والكبير والصغير، لا يُدفع عنه أحد ولا يُبعد؛ فجاءت امرأة حسناء شابة تسأله والفضل ردفه، وكان شابًّا وسيمًا وضيئًا حسن الشعر، فجعلت تنظر إليه وطفق ينظر إليها وأعجبه حسنها، فالتفت النبي -صلى الله عليه وسلم- فإذا الفضل ينظر إليها فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل، فدفع وجهه عن النظر إليها، فنظر مِن الشق الآخر فصرف وجهه مرةً أخرى، حتى قال أبوه العباس: يا رسول الله لويت عنق ابن عمك، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( رَأَيْتُ شَابًّا وَشَابَّةً فَلَمْ آمَنِ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِمَا ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني) ، فقالت المرأة: إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ، أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: ( نَعَمْ ) (متفق عليه) .
ولا تدري مما تعْجَب في هذا المشهد، هل مِن تواضع النبي -صلى الله عليه وسلم- وقربه مِن الناس ودنوه منهم، حتى تجترئ عليه فتاة في هذا المشهد الحافل بهذا السؤال وهذه الحال، أم من تفهّم النبي -صلى الله عليه وسلم- لنوازع الشباب، وما جبلت عليه النفوس الفتية؟! فيسارع بالتأديب اللطيف الذي يجمع الرفق والمودة، ولا يستثيره تكرر المشهد إلى العنف أو الغلظة، أم مِن جرأة النبي -صلى الله عليه وسلم- على ابن عمه وقريبه دون المرأة؛ لأن الفضل يحتمل مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما لا تحتمله فتاة غريبة؟!
- ثم وقف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للناس على ناقته العضباء بيْن الجمرات، وأطاف به أصحابه كأن على رؤوسهم الطير، فخطبهم خطبة عظيمة فتح الله لها أسماعهم حتى سمعوه في منازلهم! فقال: ( إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ شَهْرُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ )، ثُمَّ قَالَ: ( أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ ) قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: ( أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ؟ ) قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: ( فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ ) قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: ( أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ؟ )، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: ( فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ ) قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: ( أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ ) قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ( فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، فَلَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّارًا -أَوْ ضُلَّالًا- يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلِّغُهُ يَكُونُ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ )، ثُمَّ قَالَ: ( أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ) (متفق عليه) .