شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنك تراها (5) يوم الحج الأكبر

رمضان النجدي • من نور الوحيين

هذه خطبة يوم النحر، ولقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- عدة خطب في هذه الحجة، خطبة يوم الجمعة قبْل الانطلاق، وذكرنا تفاصيلها في حلقتنا الأولى، وخطبة يوم السابع علَّم فيها الناس مناسكهم، وخطبة يوم عرفة تلك المعرفة بخطبة الوداع، وخطبة يوم النحر وهي هذه، وخطبة أواسط أيام التشريق -ستأتي معنا-.

- واستشعر الناس أنها موعظة مودع، فقام رجل مِن طائفة الناس، فقال: يا رسول الله اعهد إلينا، فقال: ( اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ، وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .

وثار الناس إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسألونه، وجاءت الأعراب مِن ها هنا وها هنا فسألوه، فقالوا: أَعَلَيْنَا حَرَجٌ فِي كَذَا؟ أَعَلَيْنَا حَرَجٌ فِي كَذَا؟ فَقَالَ لَهُمْ: ( عِبَادَ اللَّهِ، وَضَعَ اللَّهُ الْحَرَجَ، إِلَّا مَنِ اقْتَرَضَ، مِنْ عِرْضِ أَخِيهِ شَيْئًا، فَذَاكَ الَّذِي حَرِجَ ) فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلْ عَلَيْنَا جُنَاحٌ أَنْ لَا نَتَدَاوَى؟ قَالَ: ( تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ، سُبْحَانَهُ، لَمْ يَضَعْ دَاءً، إِلَّا وَضَعَ مَعَهُ شِفَاءً، إِلَّا الْهَرَمَ )، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا خَيْرُ مَا أُعْطِيَ الْعَبْدُ؟ قَالَ: ( خُلُقٌ حَسَنٌ ) (رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وصححه الألباني) .

- ومنهم مَن قدِم مِن أقاصي الجزيرة، يسألونه عن أحكام المناسك، فمِن قائل: نسيت أن أرمي الجمار، فقال: ( ارْمِ وَلَا حَرَجَ ) (متفق عليه) ، ومِن قائل: حلقتُ قبْل أن أذبح فقال: ( اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ )، وجاءه رجل فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي قال: ( ارْمِ وَلَا حَرَجَ )، فما سئل عن شيءٍ قُدِم ولا أخر إلا قال: ( افْعَلْ وَلَا حَرَجَ ) وما سألوه عن شيء إلا قال: ( لَا حَرَجَ )، ثم قال: ( وَضَعَ اللَّهُ الْحَرَجَ، إِلَّا مَنِ اقْتَرَضَ، مِنْ عِرْضِ أَخِيهِ شَيْئًا، فَذَاكَ الَّذِي حَرِجَ ).

ثم نزل النبي -صلى الله عليه وسلم- منـزله بمنى -وهو مكان مسجد الخيف الآن- وأنزل المهاجرين بميمنه والأنصار يسرته، والناس حولهم مِن بعدهم، وسأله أصحابه أن يبنوا له بمنى بناءً يظله؛ فأبى عليهم أن يكون له بناء يميزه في هذا المشعر عن سائر الناس، وقال: "لا، منى مناخ مَن سبق"، ثم انصرف إلى المنحر -وهو ما بيْن المسجد والجمرة الصغرى- لينحر هديه، وقال: "ادعوا لي أبا حسن"، فدعي له علي، فقال: "خذ بأسفل الحربة"، وأخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأعلاها، ثم قربت إليه البدن أرسالًا، فإذا العجب كل العجب يقع من هذه الإبل العجماوات وهي تقرَّب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لينحرها قربانًا لربه -عز وجل-؛ لقد جعلت الإبل يزدلفن لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أيها يبدأ به أولاً! إنها الحيوانات التي يُقال لها يوم القيامة: كوني ترابًا، ومع هذا تزدلف إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أيها يبدأ به أولًا!

- نحر -صلى الله عليه وسلم- هديه، فنحر -بيده الشريفة- ثلاثًا وستين بدنة، بعدد سني عمره المبارك، ثم أمر عليًّا بنحر ما بقي منها، وقال للناس: ( مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) ، وأمر عليًّا أن يقوم عليها، قال علي -رضي الله عنه-: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا، وَأَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا، وقَالَ: ( نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( نَحَرْتُ هَاهُنَا، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ ) (رواه مسلم) .

- ثم دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالحلاق ليحلق رأسه المقدس، فجاء معمر بن عبد الله ومعه الموسى، فنظر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في وجهه، ثم قال له ملاطفًا: "يا معمر، قد أمكنك رسول الله مِن شحمة أذنه وفي يدك الموسى"، فقال معمر: والله يا رسول الله إن ذلك لمَن نعم الله عليَّ ومَنِّه، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "أجل"، ثم قال له: خذ -وأشار إلى جانبه الأيمن- فأطاف به أصحابه، ما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل، فجعل يقسم بيْن مَن يليه الشعرة والشعرتين، ثم قال للحلاق: خذ -وأشار إلى جانبه الأيسر- ثم قال: أين أبو طلحة؟ فجاء أبو طلحة، فدفع إليه شعر رأسه الأيسر كله، وكأنما استعاد -صلى الله عليه وسلم- عشر سنين قضاها في المدينة، وبيت أبي طلحة وزوجه أم سليم وربيبه أنس بن مالك، كأنما هو مِن بيوت النبي -صلى الله عليه وسلم-، خدمةً لرسول الله، وعناية بشأنه وقربًا وحفاوة، فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يختاره هذا اليوم على أهل هذا الموقف كلهم، فيعطيه شعر شق رأسه كله، ويناوله ما لم يناول أحدًا مثله، وينطلق أبو طلحة يحوز الشعر المقدس، وكأنما طلاع الأرض ذهبًا وفضة بيْن يديه -رضي الله عنه-.

- ودعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للمحلقين فقال: ( رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ ) قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ( رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ ) قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ( رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ ) قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ( وَالْمُقَصِّرِينَ ) (متفق عليه) . قال مالك بن ربيعة -رضي الله عنه-: "سمعتُ النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول ذلك وأنا -يومئذ- محلوق الرأس، فما يسرني بحلق رأسي حمر النعم".

الصفحة السابقة الصفحة التالية