حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنك تراها (5) يوم الحج الأكبر
رمضان النجدي • من نور الوحيين
- وبعد أن رمى -صلى الله عليه وسلم- يوم العيد، ونحر وحلق؛ نزع إحرامه ولبس ثيابه، وطيَّبته عائشة -رضي الله عنها- بأطيب ما تجد مِن الطيب، وضمخت بيديها رأسه الكريم مسكًا، ثم ركب -صلى الله عليه وسلم- إلى البيت مردفًا أسامة بن زيد، فلما وصل الكعبة طاف راكبًا يستلم الحجر بمحجن كان معه، فلما فرغ مِن طوافه ذهب إلى سقاية عمه العباس، حيث كان يسقي الناس النبذ، فاستسقى مِن أوعيتهم التي يجعلون فيها سقاية الناس، فقال عمه العباس: يَا فَضْلُ, اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ فَأتِ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا، فَقَالَ: ( لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ, اسْقُونِي مِمَّا يَشْرَبُ مِنْهُ النَّاسُ )، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ, قَالَ: ( اسْقِنِي, فَشَرِبَ مِنْهُ ) (رواه أحمد بسندٍ صحيح) . فقصد العباس -رضي الله عنه- أن أيدي الناس تقع في هذه الأوعية الكبيرة، وأراد أن يسقي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشرابٍ يخصه به، ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- أبى أن يكون له تميز في أمر السقاية، وأن يختص نفسه بما لا يشركه فيه غيره، حتى وإن كان شرابًا يؤثره به عمه؛ لذا أعاد عليه أخرى، فسقاه عمه العباس مما يشرب منه الناس، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَحْسَنْتُمْ وَأَجْمَلْتُمْ، كَذَا فَاصْنَعُوا ) (رواه مسلم) .
- ثم أتى زمزم -وبنو عبد المطلب يسقون ويعملون فيها- فقال: ( اعْمَلُوا فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ ) (رواه البخاري) ، فنزعوا له دلواً فشرب منها، ثم مجَّ فيها مِن فمه الطيب مجة، فأخذوها وأفرغوها في زمزم؛ حتى تعم بركة بقية شرابه ومجته مَن بعده، ثم قال لهم: ( لَوْلاَ أَنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ، حَتَّى أَضَعَ الحَبْلَ عَلَى هَذِهِ ) يَعْنِي: عَاتِقَهُ، وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقِهِ . (رواه البخاري) . وذلك أنه لو نزع لصارت سنة يتبعه فيها الناس، ولغُلِبَ بنو العباس على سقايتهم التي كانت مِن مآثرهم قبْل الإسلام؛ ولذا شرب مِن الدلو مع الناس، ولم ينزع مع بني عمه حتى لا يغلبوا عليها.
- ثم عاد -صلى الله عليه وسلم- إلى مِنى، فصلى بالناس صلاة الظهر، ولك أن تتساءل: كيف اتسع وقته لكل هذه الأعمال مِن الرمي، والخطبة، وإفتاء الناس، وإنزالهم منازلهم، ثم النحر لثلاث وستين بدنة، ثم الحلق، والتهيؤ للطواف باللباس والطيب، ثم القدوم للبيت والطواف، ثم الرجوع بعد ذلك؟!
فكيف اتسع لذلك كله ضحوة مِن نهار؟!
إنها البركة التي جعلها الله في وقته وعمله؛ ولذا أنجز في هذا الوقت كل هذه الأعمال الكثيرة، فإن أبيت ذلك؛ فانظر كيف اتسعت ثلاث وعشرون سنة مِن عمره لأعظم إنجاز في تاريخ البشرية، وهو بلاغ رسالات الله إلى الخلق، واستنقاذهم مِن النار، وإخراجهم مِن الظلمات إلى النور.
-عاد -صلى الله عليه وسلم- إلى منى، فمكث بها يومه يصلي الصلوات في أوقاتها ويقصر الرباعية منها، ووقته معمور بالذكر؛ عملًا بقول الله -عز وجل-: ( وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى ) (البقرة:203) ، والمستشرف لأخبار النبي -صلى الله عليه وسلم- وحاله يُرى أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يكبِّر في قبته، ويكبر أهل منى بتكبيره حتى ترتج فجاج منى بالتكبير.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.