حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنك تراها (6) أيام التشريق والعودة إلى المدينة
رمضان النجدي • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فموعدنا مع الحلقة السادسة والأخيرة مِن "حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنك تراها"، وهي: "أيام التشريق والعودة إلى المدينة"، وقد تناولنا في الحلقة الماضية "يوم النحر وما تم فيه"، واليوم نتناول أيام التشريق وما تم فيها، ورحلة الإياب إلى المدينة المنورة.
- رجع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق، وأنزل الناس منازلهم، فقال: ( لِيَنْزِلِ الْمُهَاجِرُونَ هَا هُنَا ) وَأَشَارَ إِلَى مَيْمَنَةِ الْقِبْلَةِ ( وَالْأَنْصَارُ هَا هُنَا ) وَأَشَارَ إِلَى مَيْسَرَةِ الْقِبْلَةِ ( ثُمَّ لِيَنْزِلِ النَّاسُ حَوْلَهُمْ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .
- واستأذن العباس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يبيت بمكة ليالي مِنى مِن أجل سقايته؛ فأذِن له، وبات -صلى الله عليه وسلم- ليلة النحر عند أم سلمة -رضي الله عنها-، ودخل عليه عندها وهب بن زمعة ورجل مِن آل أبي أمية متقمصين، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِوَهْبٍ: ( هَلْ أَفَضْتَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ ) قَالَ: لَا وَاللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( انْزِعْ عَنْكَ الْقَمِيصَ ) قَالَ: فَنَزَعَهُ مِنْ رَأْسِهِ وَنَزَعَ صَاحِبُهُ قَمِيصَهُ مِنْ رَأْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَلِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ( إِنَّ هَذَا يَوْمٌ رُخِّصَ لَكُمْ إِذَا أَنْتُمْ رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ أَنْ تَحِلُّوا ) -يَعْنِي مِنْ كُلِّ مَا حُرِمْتُمْ مِنْهُ إِلَّا النِّسَاءَ- ( فَإِذَا أَمْسَيْتُمْ قَبْلَ أَنْ تَطُوفُوا هَذَا الْبَيْتَ صِرْتُمْ حُرُمًا كَهَيْئَتِكُمْ قَبْلَ أَنْ تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطُوفُوا بِهِ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .
- ودخل يوم الأحد 11 ذي الحجة -يوم الرؤوس- فصلى صلاة الصبح في مسجد الخيف مِن مِنى، فلما قضى صلاته وانحرف إذا هو برجلين في آخر القوم لم يصليا معه، فقال: ( عَلَيَّ بِهِمَا ). فَأُتِيَ بِهِمَا تَرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا فَقَالَ: ( مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ ) قَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا. قَالَ: ( فَلَا تَفْعَلَا، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .
- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ، وَشُرْبٍ، وَذِكْرِ اللهِ ) (رواه مسلم) ، وأمر -صلى الله عليه وسلم- بشر بن سحيم أن ينادي أيام التشريق: ( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ، وَإِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
- وأقبل ابن عباس -رضي الله عنهما- وقت صلاة الظهر على حمار، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائم يصلي بالناس في مِنى، فسار الحمار بيْن يدي بعض الصف الأول، ثم نزل عنه ابن عباس، فصف مع الناس، وكان -صلى الله عليه وسلم- يأتي الجمار في الأيام الثلاثة بعد يوم النحر ماشيًا، ذاهبًا وراجعًا، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس؛ يأتي الجمرة الدنيا التي تلي مسجد منى، يرميها بسبع حصيات، يكبر كلما رمى بحصاة، ثم يتقدم أمامها حتى يسهل فيقف مستقبل القبلة رافعًا يديه يدعو، وكان يطيل الوقوف، ثم يأتي الجمرة الثانية الوسطى، فيرميها بسبع حصيات، يكبر كلما رمى بحصاة، ثم ينحدر ذات اليسار مما يلي الوادي فيقف مستقبل القبلة رافعًا يديه يدعو، يقوم طويلاً، ثم يأتي الجمرة ذات العقبة مِن بطن الوادي فيرميها بسبع حصيات، يكبر عند كل حصاة، ثم ينصرف ولا يقف عندها.
- وعَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَجُلٌ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْأُولَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ، فَلَمَّا رَمَى الْجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ، سَأَلَهُ، فَسَكَتَ عَنْهُ، فَلَمَّا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ لِيَرْكَبَ، قَالَ: ( أَيْنَ السَّائِلُ؟ ) قَالَ: أَنَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: ( كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ ذِي سُلْطَانٍ جَائِرٍ ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني) .
- ورخص -صلى الله عليه وسلم- لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد النحر، فيرمونه في أحدهما، ورخص للراعي أن يرمي في الليل، وقال: ( الرَّاعِي يَرْمِي بِاللَّيْلِ، وَيَرْعَى بِالنَّهَارِ ) (رواه البيهقي، وصححه الألباني) ، وفي هذا اليوم خطب النبي -صلى الله عليه وسلم- "ويسمَّى يوم الرؤوس"، وخطب الناس على بغلةٍ شهباء وعليه برد أحمر، وعلي -رضي الله عنه- يبلغ عنه الناس.
- قال رافع بن عمرو المازني -رضي الله عنه-: أقبلتُ مع أبي وأنا غلام وصيف أو فوق ذلك في حجة الوداع، فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخطب الناس على بغلة شهباء وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يعبِّر عنه والناس مِن بيْن جالس وقائم، فجلس أبي وتخللت الركاب حتى أتيت البغلة فأخذت بركابه ووضعت يدي على ركبته فمسحت حتى الساق حتى بلغت بها القدم ثم أدخلت كفي بيْن النعل والقدم، فيخيل إلي الساعة أني أجد برد قدمه على كفي! ولأن عجب رافع بن عمرو مِن برد قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- فإننا نعجب مِن برد خلقه، وطيبه نفسه، إنها النفس الرضية والخلق العظيم أن يمضي -صلى الله عليه وسلم- في خطبته ويدع الغلام يمسح قدمه، ويدخل يده تحت شراك نعله وهو ماضٍ في شأنه معلمًا بحاله ومقاله.