(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (14) تكملة لبعض أحكام عقد الأمان (5)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فاستكمالًا لبعض أحكام الأمان، في مذهب الشافعية، قال الإمام النووي -رحمه الله- في "روضة الطالبين" (ج 10/ 280):
"الرَّابِعَةُ: شَرْطُ الْأَمَانِ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَفِي قَوْلٍ: يَجُوزُ مَا لَمْ يَبْلُغْ سَنَةً، فَلَوْ زَادَ عَلَى الْجَائِزِ، بَطَلَ الزَّائِدُ، وَلَا يَبْطُلُ فِي الْبَاقِي عَلَى الْأَصَحِّ تَخْرِيجًا مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَإِذَا أُطْلِقَ حُمِلَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَيَبْلُغُ بَعْدَهَا الْمَأْمَنَ" (انتهى) .
قلتُ: "وقد سبق أن نقلنا عن الحنابلة وغيرهم مِن المذاهب الأخرى جواز الزيادة على السَّنَةِ إذا كانت المصلحة في ذلك".
شرط الأمان: عَدَم تَضَرُّر المسلمين:
قال النووي -رحمه الله- (ج 10/ 281): "وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَتَضَرَّرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، فَلَوْ أَمَّنَ جَاسُوسًا، أَوْ طَلِيعَةً لَمْ يَنْعَقِدِ الْأَمَانُ. قَالَ الْإِمَامُ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ تَبْلِيغَ الْمَأْمَنِ، لِأَنَّ دُخُولَ مِثْلِهِ خِيَانَةً، فَحَقُّهُ أَنْ يُغْتَالَ. وَلَوْ أَمَّنَ آحَادًا عَلَى مَدَارِجِ الْغُزَاةِ، وَعَسرَ بِسَبَبِهِ مَسِيرُ الْعَسْكَرِ وَاحْتَاجُوا إِلَى نَقْلِ الزَّادِ، فَهُوَ مَرْدُودٌ لِلضَّرَرِ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِانْعِقَادِ الْأَمَانِ ظُهُورُ الْمَصْلَحَةِ، بَلْ يَكْفِي عَدَمُ الْمَضَرَّةِ".
قلتُ: (قوله: "وَلَا يُشْتَرَطُ لِانْعِقَادِ الْأَمَانِ ظُهُورُ الْمَصْلَحَةِ، بَلْ يَكْفِي عَدَمُ الْمَضَرَّةِ": يبين لنا أن آحاد المسلمين قد يظهر لهم مصلحة أو يُدفع عنهم مضرة، وقد لا يظهر لمجموع المسلمين ذلك؛ فيُنفَذ أمانُ المُسْلِم الذي يصح أمانه لظهور عدم المضرة؛ وهذا يدلنا على قضية مراعاة المَصَالح والمَضَارِّ رِعايةً مُؤَكَّدَةً، بخلاف مَن يهمل هذا أو يحث على إهماله!).
موجبات عقد الأمان:
قال النووي -رحمه الله-: "الْخَامِسَةُ: إِذَا انْعَقَدَ الْأَمَانُ، صَارَ الْمُؤَمَّنُ مَعْصُومًا عَنِ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ؛ فَلَوْ قُتِلَ، قَالَ الْإِمَامُ: الْوَجْهُ عِنْدَنَا أَنَّهُ يُضْمَنُ بِمَا يُضْمَنُ بِهِ الذِّمِّيُّ. وَهُوَ لَازِمٌ مِنْ جِهَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ نَبْذُهُ، فَإِنِ اسْتَشْعَرَ مِنْهُ خِيَانَةً، نَبَذَهَ، لِأَنَّ الْمُهَادَنَةَ تُنْبَذُ بِذَلِكَ، فَأَمَانُ الْآحَادِ أَوْلَى، وَهُوَ جَائِزٌ مِنْ جِهَةِ الْكَافِرِ يَنْبِذُهُ مَتَى شَاءَ. وَلَا يَتَعَدَّى الْأَمَانُ إِلَى مَا خَلَّفَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ، وَأَمَّا مَا مَعَهُ مِنْهُمَا، فَإِنْ تَعَرَّضَ لَهُ، اتبع الشَّرْط، وَإِلَّا فَلَا أَمَانَ فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ، لِقُصُورِ اللَّفْظِ" (انتهى) .
قلتُ: "والصحيح في هذه المسألة أن ما معه منهما مِن مالٍ أو أهلٍ فإنه يدخل في الأمان عُرْفًا، والمَعروف عُرْفًا كالمَشْروطِ لَفظًا، والشافعية هم الذين يعتبرون في العقود بالألفاظ، وجماهير السلف وبقية المذاهب يرون أن الأصل في العقود المَقاصِد لا الألفاظ؛ وهنا يظهر جدًّا أن مَن دَخَل بأهله وماله مُؤَمَّنًا من مُسْلِمٍ، فإنه يطلب الأمان لأهلِهِ ومَالِهِ، ويُعطَى الأمانَ لأهلِهِ ومالِهِ، وليس لنَفْسِهِ فقط".
حكم أمان الأَسير:
قال النووي -رحمه الله-: "السَّادِسَةُ: الْأَسِيرُ فِي أَيْدِي الْكُفَّارِ إِذَا أَمَّنَ بَعْضَهُمْ مُكْرَهًا، لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ أَمَّنَهُ مُخْتَارًا، لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ مَقْهُورٌ فِي أَيْدِيهِمْ -( قلتُ: قد سبق في المقالات السابقة بيان أنه إذا أَمَّنَهُ مُخْتارًا صَحَّ أَمَانُه؛ لأن الإكراه هو الذي يُسْقِطُ الحكم، وكونه مقهورًا لا يكفي في اعتبار الإكراه، وإنما الإكراه أن يُكْرَهَ على التأمين بعَيْنِهِ، وإلا لو اختار ذلك لمَصْلَحَتِه صَحَّ تَأْمينُه، والله أعلم)-، وَقَالَ الْإِمَامُ: إِنْ أَمَّنَ مَنْ هُوَ فِي أَسْرِهِ، لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ كَالْمُكْرَهِ مَعَهُ، وَإِنْ أَمَّنَ غَيْرَهُ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ، فَإِنْ أَبْطَلْنَا، فَهَلْ يَصِحُّ وَيَلْزَمُ فِي حَقِّ الْأَمْنِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ" (انتهى) .
فَرْعٌ... في إقامة المُسْلِم في دار الكُفْرِ:
قال النووي -رحمه الله- في "روضة الطالبين" (ج 10/ 282): "الْمُسْلِمُ إِنْ كَانَ ضَعِيفًا فِي دَارِ الْكُفْرِ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِظْهَارِ الدِّينِ، حَرُمَ عَلَيْهِ الْإِقَامَةُ هُنَاكَ، وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْهِجْرَةِ، فَهُوَ مَعْذُورٌ إِلَى أَنْ يَقْدِرَ، فَإِنْ فُتِحَ الْبَلَدُ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ، سَقَطَ عَنْهُ الْهِجْرَةُ. وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى إِظْهَارِ الدِّينِ، لِكَوْنِهِ مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ، أَوْ لِأَنَّ لَهُ هُنَاكَ عَشِيرَةً يَحْمُونَهُ، وَلَمْ يَخَفْ فِتْنَةً فِي دِينِهِ، لَمْ تَجِبِ الْهِجْرَةُ، لَكِنْ تُسْتَحَبُّ، لِئَلَّا يَكْثُرَ سَوَادُهُمْ، أَوْ يَمِيلَ إِلَيْهِمْ، أَوْ يَكِيدُوا لَهُ، وَقِيلَ: تَجِبُ الْهِجْرَةُ، حَكَاهُ الْإِمَامُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. قُلْتُ: قَالَ صَاحِبُ "الْحَاوِي": فَإِنْ كَانَ يَرْجُو ظُهُورَ الْإِسْلَامِ هُنَاكَ بِمُقَامِهِ، فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُقِيمَ" (انتهى) .
قلتُ: "وهذه القضية تبيِّن لنا أهمية الدعوة إلى الله -سبحانه وتعالى-، وأن مَن أقام في ديار الكفر والحرب لإظهار الدين، ولو أن يَدْخُل في الإسلام واحِدٌ -فضلًا عن جماعاتٍ-، وأن يعرف الكُفَّارُ مَحَاسِنَ الدين؛ فإن ذلك مِن المقاصد المشروعة التي يقيم مِن أجلها في دار الكفر.