(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (14) تكملة لبعض أحكام عقد الأمان (5)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
وينبغي أن يعلم كلُّ مسلم يقيم في بلاد الكفار أن إقامته مشروطة بإقامة الواجبات الشرعية، وهذا معنى إظهار الدين: أن يُعْلِن أنه مُسْلِمٌ، وأن يَقْدِر على إقامة أحكام هذا الدين، بأداء الواجبات الشرعية وترك المُحَرَّمات، وليس المقصود مِن إظهار الدين في هذا المقام أن يَجعَل الإسلام يَغْلِب؛ وإنما يُظْهِرُ دِينَه بمعنى أن يُعْلِن أنه مُسْلِمٌ ويُصَرِّح بذلك، وأن يقيم واجبات الدين. والله أعلى وأعلم".
قَالَ النووي -رحمه الله-: "وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الِامْتِنَاعِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَالِاعْتِزَالِ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْمُقَامُ بِهَا، لِأَنَّ مَوْضِعَهُ دَارُ إِسْلَامٍ، فَلَوْ هَاجَرَ، لَصَارَ دَارَ حَرْبٍ، فَيَحْرُمُ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنْ قَدَرَ عَلَى قِتَالِ الْكُفَّارِ وَدُعَائِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، لَزِمَهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ." (انتهى) .
فَرْعٌ... في أحكام الأسير المُسْلِم إذا هَرَب أو أُطْلِق على شَرْطٍ:
قَالَ النووي -رحمه الله-: "الْأَسِيرُ الْمَقْهُورُ مَتَى قَدَرَ عَلَى الْهَرَبِ، لَزِمَهُ. وَلَوْ أَطْلَقُوا أَسِيرًا بِلَا شَرْطٍ، فَلَهُ أَنْ يَغْتَالَهُمْ قَتْلًا وَسَبْيًا وَأَخْذًا لِلْمَالِ، وَإِنْ أَطْلَقُوهُ عَلَى أَنَّهُ فِي أَمَانٍ مِنْهُمْ وَهُمْ فِي أَمَانٍ مِنْهُ، حَرُمَ عَلَيْهِ اغْتِيَالُهُمْ.
وَإِنْ أَطْلَقُوهُ عَلَى أَنَّهُ فِي أَمَانٍ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَسْتَأْمِنُوهُ، فَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ، وَعَنِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ لَهُ اغْتِيَالَهُمْ.
وَلَوْ تَبِعَهُ قَوْمٌ بَعْدَ خُرُوجِهِ، فَلَهُ قَصْدُهُمْ وَقَتْلُهُمْ فِي الدَّفْعِ بِكُلِّ حَالٍ. وَلَوْ أَطْلَقُوهُ وَشَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ دَارِهِمْ، لَزِمَهُ الْخُرُوجُ وَحَرُمَ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ -( قلتُ: قد سبق أن بيَّنا مِن مذهب الحنابلة ترجيح لزوم الوفاء بالشرط)-، فَإِنْ حَلَّفُوهُ أَنْ لَا يَخْرُجَ، فَإِنْ حَلَفَ مُكْرَهًا، خَرَجَ وَلَا كَفَّارَةَ، لِأَنَّهُ لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ، وَلَا طَلَاقَ عَلَيْهِ إِنْ حَلَّفُوهُ بِالطَّلَاقِ، وَإِنْ حَلَفَ ابْتِدَاءً بِلَا تَحْلِيفٍ لِيَتَوَثَّقُوا بِهِ وَلَا يَتَّهِمُوهُ بِالْخُرُوجِ، نُظِرَ إِنْ حَلَفَ بَعْد َمَا أَطْلَقُوهُ، لَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ بِالْخُرُوجِ، وَإِنْ حَلَفَ وَهُوَ مَحْبُوسٌ أَنْ لَا يَخْرُجَ إِذَا أُطْلِقَ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ يَمِينَ إِكْرَاهٍ.
قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَلَوْ قَالُوا: لَا نُطْلِقُكَ حَتَّى تَحْلِفَ أَنْ لَا تَخْرُجَ، فَحَلَفَ، فَأَطْلَقُوهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ بِالْخُرُوجِ، وَلَوْ حَلَّفُوهُ بِالطَّلَاقِ، لَمْ يَقَعْ، كَمَا لَوْ أَخَذَ اللُّصُوصُ رَجُلًا وَقَالُوا: لَا نَتْرُكُكَ حَتَّى تَحْلِفَ أَنَّكَ لَا تُخْبِرُ بِمَكَانِنَا، فَحَلَفَ، ثُمَّ أَخْبَرَ بِمَكَانِهِمْ، لَا يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، لِأَنَّهُ يَمِينُ إِكْرَاهٍ، وَلْيَكُنْ هَذَا تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ التَّخْوِيفَ بِالْحَبْسِ إِكْرَاهٌ -( قُلْتُ: لَيْسَ هُوَ كَالتَّخْوِيفِ بِالْحَبْسِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ هُنَا الْهِجْرَةُ وَالتَّوَصُّلُ إِلَيْهَا بِمَا أَمْكَنَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ)-، وَعَلَى الْأَحْوَالِ لَا يَغْتَالُهُمْ، لِأَنَّهُمْ أَمَّنُوهُ" (انتهى) .
قلتُ: "وهذا يدلنا على أن أمانَ الكافرِ للمُسْلِمِ أمانٌ للمُسْلِمِ منه، ولا يجوز له أن يغتالهم طالما دَخَلَ دارَهُم -أو كان في دارِهِم- بأمانٍ".
قَالَ النووي -رحمه الله- (ج 10/ 283): "وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُمْ عَيْنُ مَالٍ لِمُسْلِمٍ، فَأَخَذَهَا عِنْدَ خُرُوجِهِ لِيَرُدَّهَا عَلَى مَالِكِهَا، جَازَ، فَإِنْ شَرَطُوا الْأَمَانَ فِي ذَلِكَ الْمَالِ، فَهَلْ يَصِيرُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إِذَا أَخَذَ الْمَغْصُوبَ مِنَ الْغَاصِبِ لِيَرُدَّهُ عَلَى مَالِكِهِ، وَعَنِ الْقَفَّالِ: الْقَطْعُ بِالْمَنْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا عَلَى الْحَرْبِيِّ بِخِلَافِ الْمَغْصُوبِ، وَلَوْ شَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِمْ بَعْدَ الْخُرُوجِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، حَرُمَ عَلَيْهِ الْعَوْدُ. وَلَوْ شَرَطُوا أَنْ يَعُودَ، أَوْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ مَالًا فِدَاءً، فَالْعَوْدُ حَرَامٌ، وَأَمَّا الْمَالُ: فَإِنْ شَارَطَهُمْ عَلَيْهِ مُكْرَهًا، فَهُوَ لَغْوٌ، وَإِنْ صَالَحَهُمْ مُخْتَارًا، لَمْ يَجِبْ بَعْثُهُ، لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ بِغَيْرِ حَقٍّ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ، لِئَلَّا يَمْتَنِعُوا مِنْ إِطْلَاقِ الْأَسَارَى، وَفِي قَوْلٍ قَدِيمٍ: يَجِبُ بَعْثُ الْمَالِ، أَوِ الْعَوْدُ إِلَيْهِمْ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ: وَالَّذِي يَقْتَضِي الْمَذْهَبُ أَنَّ الْمَبْعُوثَ إِلَيْهِمِ اسْتِحْبَابًا أَوْ وُجُوبًا لَا يَمْلِكُونَهُ، لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِغَيْرِ حَقٍّ.