شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (30) مقتل الحسين بن علي -رضي الله عنهما- في عهد يزيد بن معاوية

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد ذكرنا في المقال السابق أن معارضة الحسين بن علي -رضي الله عنهما- ليزيد بن معاوية تُمثِّل نقطة تحول في التاريخ؛ فهي تُعد أول معارضة عملية في خلافة يزيد، وقد أثَّرت حادثة مقتل الحسين -رضي الله عنه- على المجتمع الإسلامي بصفة عامة، وعلى الدولة الأموية وتاريخها بصفةٍ خاصة، بل واستمر تأثير هذه الحادثة لمدة قرونٍ طويلة، بل إلى يومنا هذا!

وهناك مَن انحرف مِن أبناء الأمة بسبب هذه الحادثة، وظهر بسببها التعصب والانحراف الفكري عند الكثيرين، وكانت هذه الحادثة هي إحدى الروافد التي ساعدتْ على قيام الثورات ضد الأمويين، وقد ألقينا الضوء على وجهة نظر كبار الصحابة والتابعين حول مسألة خروج الحسين -رضي الله عنه- ونصائحهم له بعدم الخروج إلى الكوفة، وذكرنا الدوافع التي كانت وراء خروج الحسين -رضي الله عنه- مِن وجهة نظره.

موقف يزيد مِن أحداث الكوفة:

لم يغب عن يزيد تحركات الحسين -رضي الله عنه-، وخروجه مِن المدينة رافضًا البيعة، واستقراره بمكة وعلاقته مع الكوفيين، لكنه كان يريد العمل بوصية أبيه معاوية مع الحسين -رضي الله عنه- وهي الرفق به؛ لذا لم يحرِّك يزيد ساكنًا مع معرفته بما يحدث، لكنه لما تأكد مِن تصميم الحسين -رضي الله عنه- على الاستجابة لدعوة أهل الكوفة، كتب لابن عباس -رضي الله عنهما-؛ لأنه شيخ بني هاشم في عصره وعالم المسلمين، قائلًا: "ونحسب أن رجالًا أتوه مِن المشرق فمنّوه الخلافة، فإنهم عندك منهم خبرة وتجربة، فإن كان فعل فقد قطع وشائج القرابة، وأنت كبير أهل بيتك والمنظور إليه، فاكففه عن السعي في الفرقة".

ثم كتب بهذه الأبيات إليه، وإلى مَن بمكة والمدينة مِن قريش:

يا أيـهـا الـراكـب الــغـادي لـطـيـتـه على عُـذَافـرةِ فـي ســيــرها قـحــم

أبلغ قريـشًا على نـأي الـمـزار بهـا بيني وبين حـسيـن الـلـه والـرحــم

إلى أن قال:

يا قومنا لا تشبوا الحرب إذ خـمدت وأمسكوا بـجـبال السلم واعتصموا

لا تركبوا البغي إن البغي مـصرعه وإن شــارب كـأس الـبـغـي يـتـخـم

فـقـد غـرّت الـحـرب مَن كان قبلـكم مِن القرون وقـد بـادت بـهـا الأمـم

فـأنصـفـوا قـومكم لا تهلكوا بـذخــًا فــرب ذي بــذخ زلــت بــه الــقـدم

"طيته: أي: حاجته. عذافرة: الناقة الشديدة العظيمة. قحم: أي سريعة تطوى المنازل وتقتحمها منزلة بعد منزلة" (البداية والنهاية) .

فكتب إليه ابن عباس -رضي الله عنهما-: "إني لأرجو أن لا يكون خروج الحسين لأمر تكرهه، ولستُ أدع النصيحة له في كل ما يجمع الله به الألفة وتُطفى به الثائرة" (سير أعلام النبلاء للذهبي) .

وفي تلك الأثناء كانت الأحداث تتسارع، وذلك بعد ما أخذ الشيعة يلتفون حول مسلم بن عقيل ليبايعوا الحسين -رضي الله عنه-، وعندما أحس النعمان بن بشير الأنصاري والي الكوفة بخطورة الوضع قام فخطب في الناس، وقال: "اتقوا الله عباد الله، ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة، فإن فيها يهلك الرجال، وتسفك الدماء وتغصب الأموال". وقال: "إني لن أقتل مَن لم يقاتلني، ولن أثب على مَن لا يثب عليَّ، لا أشاتمكم ولا أتحرش بكم، ولا آخذ بالقرف ولا الظنة والتهمة، ولكن إن أبديتم صفحتكم لي، ونكثتم بيعتكم، وخالفتم إمامكم، فوالله الذي لا إله غيره لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن لي منكم ناصر، أما إني أرجو أن يكون مَن يعرف الحق منكم أكثر ممن يرديه الباطل".

ولم تعجب يزيد سياسة النعمان فعزله مِن ولاية الكوفة، وعين بدله عبيد الله بن زياد واليه على البصرة؛ وذلك لأن بعض المقربين مِن يزيد أخبروه أن النعمان يميل إلى السلم، وقد ظهر هذا في حديثه وخطبته، وأقبل ابن زياد إلى الكوفة ودخلها، فلما نزل في القصر نودي: "الصلاة جامعة"؛ فاجتمع الناس فخرج إليهم ثم خطبهم، ووعد مَن أطاع منهم خيرًا، وتوعَّد مَن خالف وحاول الفتنة منهم شرًّا" (تاريخ الرسل والملوك للطبري) .

وكان عبيد الله يتمتع بشخصية قوية، وقد بدأ بمراقبة وحصر الفئات المؤيدة لمسلم بن عقيل، والذين يؤمِّنون له السكن والمأوى والاجتماعات، وقد نجح عبيد الله بهذا في تحجيم تحركات مسلم بن عقيل، ونجح في ضبط الأمن في الكوفة، وبدأ الخوف يدب في قلوب بعض المؤيدين لابن عقيل، واستطاع عبيد الله أن يصل إلى مكان اختباء ابن عقيل (تاريخ الرسل والملوك للطبري) .

وحرص عبيد الله بن زياد على جمع المعلومات، واستطاع أن يخترق أتباع مسلم بن عقيل، وعلم بنزول مسلم بن عقيل في دار هانئ بن عروة (الأخبار الطوال للدينوري) .

واستطاع عبيد الله بحيلة أن يأتي بهانئ في قصر الإمارة، وواجهه بما يعرف؛ فأنكر هانئ في البداية، لكنه اعترف بعد ذلك؛ لأنه أيقن أن عبيد الله علم بكل شيء، ثم قام عبيد الله فضرب وجهه، وهشم أنفه، وكسر حاجبه، وسال منه الدم وأمر به فأدخل بيتًا وتم سجنه فيه (أنساب الأشراف للبلاذري) .

ولما بلغ مسلم بن عقيل خبر ضرب وجه هانئ بن عروة، أمر أن ينادي في أصحابه الذين بايعوه، فتنادى أهل الكوفة فاجتمعوا إليه وكان عدد الذين حضروا أربعة آلاف رجل.

وتقدَّم مسلم بهذه الجموع صوب قصر الإمارة التي يتحصن بها ابن زياد، وهنا طلب ابن زياد مِن أشراف الناس وزعماء الكوفة الذين معه في القصر، وكان قد جمعهم عنده، فطلب منهم أن يعظوا الناس ويخذلوهم ويخوفوهم بقرب أهل الشام، وصار هؤلاء الأمراء والزعماء يثبطون الناس، ويذكرونهم بالسلامة والأمن، وأنهم إن لم ينصرفوا سيحرمون مِن العطاء، وسيساقون إلى الثغور، وسينالهم العقاب الشديد، ولم يكن التثبيط مقصورًا على الأمراء فقط، بل إن النساء كان لهن دور كبير في إضعاف عزيمة المناصرين لمسلم؛ إضافة إلى الآباء وكبار السن، فقد كان لهم نفس الدور، وكانت المرأة تأتي ابنها وأخاها وتقول: "انصرف، الناس يكفونك"، ويجيء الرجل إلى ابنه وأخيه، ويقول: "غدًا يأتيك أهل الشام" فما تصنع بالحرب والشر، انصرف. (تاريخ الرسل والملوك للطبري) .

الصفحة التالية