شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (30) مقتل الحسين بن علي -رضي الله عنهما- في عهد يزيد بن معاوية

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

وأمام هذه الإجراءات السريعة مِن ابن زياد، وأمام الشد النفسي الذي نازع غالبية مَن انضموا إلى مسلم بن عقيل؛ أخذ هذا العدد يتضاءل حتى وصل إلى ستين رجلًا، ثم حدثت معركة بيْن الطرفين لم تدم طويلاً، ولما أمسى المساء تفرَّق الناس، وبقي مسلم بن عقيل وحيدًا في طرقات الكوفة (تاريخ الرسل والملوك للطبري) .

ثم أمر ابن زياد بقتل مسلم، واتخذ ابن زياد إجراءً يدل على قسوته وجبروته وظلمه، فقد أمر بهانئ فأخرج إلى السوق وقُتل، وظل هانئ يصيح لقبيلته، ولكن لم ينصره أحد، ثم صلب هانئ ومسلم في سوق أمام الناس، ثم أمر بضرب أعناق اثنين مِن الذين كانوا يخططون لنصر مسلم بن عقيل وصلبهما في السوق أيضًا!

وكان مسلم بن عقيل يدعو عليهم عند قتله، ويقول: "اللهم احكم بيننا وبيْن قوم غرٌّونا وكذبونا، ثم خذلونا وقتلونا".

موقف عبيد الله بن زياد مِن الحسين -رضي الله عنه- ومعركة كربلاء:

خرج الحسين -رضي الله عنه- مِن مكة يوم التروية الموافق لثمان مِن ذي الحجة سنة ستين، وأدرك والي مكة عمرو بن سعيد بن العاص خطورة الموقف، فأرسل وفدًا إلى الحسين -رضي الله عنه-، وعلى رأسهم أخوه يحيى بن سعيد بن العاص، فحاولوا أن يثنوه عن عزمه، ولكنه رفض فنادوه: "يا حسين، ألا تتقي الله؟! تخرج عن جماعة المسلمين وتفرِّق بيْن هذه الأمة"، فردَّ الحسين -رضي الله عنه- بقول الله -تعالى-: ( لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ) (يونس:41) ، فخرج الحسين -رضي الله عنه- متوجهًا إلى العراق في أهل بيته وستين شيخًا مِن أهل الكوفة (تاريخ الرسل والملوك للطبري) .

وكتب مروان بن الحكم وعمرو بن سعيد بن العاص إلى ابن زياد ينهيانه عن التعرض للحسين -رضي الله عنه-، وأن يكون حذرًا في تعامله مع الحسين -رضي الله عنه-؛ فهو الحسين ابن فاطمة، وفاطمة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وتالله ما أحد يسلمه الله أحب إلينا مِن الحسين، وإياك أن تهيج على نفسك ما لا يسده شيء، ولا ينساه العامة، ولا يدع ذكره، والسلام عليك (الطبقات لابن سعد) .

وفي الطريق إلى الكوفة: قابل الحسين -رضي الله عنه- "الفرزدق" الشاعر المشهور بذات عرق -ذات عرق على مرحلتين مِن مكة، وهو ميقات أهل العراق، وهو الحد بيْن نجد وتهامة-، فسأله الحسين بن علي -رضي الله عنهما- عن تصوره لما يقوم به أهل الكوفة حياله، ثم أراد أن يعطي الفرزدق إيضاحًا أكثر، وقال: "هذه كتبهم معي"، فرد عليه الفرزدق: "يخذلونك؛ فلا تذهب، فإنك تأتي قومًا، قلوبهم معك وأيديهم عليك" (البداية والنهاية لابن كثير) .

واستمر الحسين -رضي الله عنه- في مسيره إلى الكوفة، وهو لا يعلم شيئًا عن التغيرات التي حدثتْ، واتخذ ابن زياد بعض التدابير لكي يحول بيْن أهل الكوفة وبيْن الحسين -رضي الله عنه-، ويحكم سيطرته على الكوفة، فقام بجمع المقاتلة وفرَّق عليهم العطاء حتى يضمن ولاءهم، ثم أصدر أوامره إلى الحصين بن تميم صاحب شرطته بأن يقبض على كل مَن ينكره، ثم أمر ابن زياد بمراقبة جميع الطرق ما بيْن مكة والشام والبصرة، وأرسل خيله إلى حدود الكوفة ومنافذها، ولم يترك أحدًا يدخل أو يخرج، وبهذا قطع الاتصالات بيْن الكوفة والحسين (البداية والنهاية لابن كثير) .

وكانت لتلك الإجراءات الأمنية الصارمة التي اتخذها ابن زياد أثر كبير على نفوس أتباع الحسين -رضي الله عنه-، فهم يرون أن مَن كان له علاقة بالحسين فإن مصيره القتل، وعلى أبشع صورة فأصبح مَن يفكر في نصرة الحسين -رضي الله عنه- فإن عليه أن يتصور نهايته على ذلك النحو المؤلم، ولما بلغ الحسين زبالة -زبالة: منزل معروف بطريق مكة مِن الكوفة بيْن واقصة والثعلبين-، وقيل: شراف -شراف: بيْن واقصة والقرعاء على ثمانية أميال مِن الإحساء-، جاءه خبر مقتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وعبد الله بن بقطر، إضافة إلى تخاذل أهل الكوفة عن نصرته، وكان لهذا الخبر المفجع المؤلم وقعه الشديد على الحسين -رضي الله عنه-، فهؤلاء أقرب الناس إليه قد قُتلوا، وأهل الكوفة تخاذلوا في نصرته (تاريخ الرسل والملوك للطبري) .

ولما بلغ الحسين -رضي الله عنه- مقتل ابن عمه مسلم بن عقيل وتخاذل الناس عنه؛ أعلم الحسين مَن معه بذلك، وقال: "مَن أحب أن ينصرف فلينصرف"؛ فتفرق الناس عنه يمينًا وشمالًا، وقال له بعض مَن ثبتوا معه: "ننشدك الله إلا ما رجعت مِن مكانك، فإنه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة، بل نتخوف أن يكونوا عليك!".

وهنا راجع الحسين أمره، وفكَّر في الوضع الراهن والواقع في الكوفة، وهمَّ أن يتراجع، وشاركه في رأيه ابنه الأكبر علي (الطبقات لابن سعد) ، فوثب بنو عقيل إخوة مسلم، وقالوا: "والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا أو نذوق كما ذاق مسلم! ثم قال له بعض مِن حوله: إنك لست كمسلم بن عقيل، ولو قدمت الكوفة لأسرع الناس إليك" (تاريخ الرسل والملوك للطبري) .

فواصل الحسين -رضي الله عنه- سيره، وكان ابن زياد قد أمر الحرّ بن يزيد -وكان يقود ألف فارس- أن يعسكر في شراف، وأن يلازم الحسين عندما يدركه، ولا يأذن له بالانصراف حتى يدخله الكوفة، وقد أدرك الحرُّ بن يزيد الحسين -رضي الله عنه- ومَن معه قريبًا مِن شراف، ولما طلب منه الحسين -رضي الله عنه- الرجوع منعه، وذكر له أنه مأمور بملازمته حتى الكوفة، وقام الحسين وأخرج خرجين مملوءة بالكتب التي تطلب منه القدوم إلى الكوفة، فأنكر الحر والذين معه أي علاقة لهم بهذه الكتب، وهنا رفض الحسين الذهاب مع الحر إلى الكوفة وأصر على ذلك، فاقترح عليه الحر أن يسلك طريقًا يجنبه الكوفة ولا يرجعه إلى المدينة، وذلك مِن أجل أن يكتب الحر إلى ابن زياد بأمره، وأن يكتب الحسين إلى يزيد بأمره.

وبالفعل تياسر الحسين عن طريق العذيب والقادسية، واتجه شمالًا على طريق الشام، وأخذ الحر يساير الحسين وينصحه بعدم المقاتلة، ويذكّره بالله، وبيّن له أنه إذا قاتل فسوف يقتل، وكان الحسين -رضي الله عنه- يصلي بالفريقين إذا حضرت الصلاة (تاريخ الرسل والملوك) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية