شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (18) تكملة لبعض أحكام عقد الأمان (9)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد ورد في الموسوعة الكويتية أيضًا (ص 179-181) تحت عنوان: "مستأمن":

"مَا يَجُوزُ لِلْمُسْتَأْمِنِ حَمْلُهُ فِي الرُّجُوعِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ:

34- نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُمَكَّنُ الْمُسْتَأْمِنُ إِذَا أَرَادَ الرُّجُوعَ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ أَنْ يَحْمِل مَعَهُ سِلاَحًا اشْتَرَاهُ مِنْ دَارِ الإِسْلاَمِ، لأَنَّهُمْ يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ يَجُوزُ إِعْطَاءُ الأَمَانِ لَهُ لِيَكْتَسِبَ بِهِ مَا يَكُونُ قُوَّةً لأَهْل الْحَرْبِ عَلَى قِتَال الْمُسْلِمِينَ، وَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ بِالَّذِي دَخَل بِهِ. فَإِنْ بَاعَ سَيْفَهُ وَاشْتَرَى بِهِ قَوْسًا أَوْ نُشَّابًا أَوْ رُمْحًا مَثَلاً لاَ يُمَكَّنُ مِنْهُ، وَكَذَا لَوِ اشْتَرَى سَيْفًا أَحَسَنَ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ مِثْل الأَوَّل أَوْ دُونَهُ مُكِّنَ مِنْهُ) (انتهى) .

( قلت: ويُلاحَظ في هذه المسألة أن كل ما يؤدي إلى إعانة الكفار على قتال المسلمين وتقويتهم بالسلاح يُمْنَع منه المستأمن، ومثله المعاهد، وأما ما يُمْكِن أن يُصنَع به سلاح وغيره -كمعدن الحديد- فإنه لا يُمنَع من حَمْله؛ لاحتمال استعماله في وُجوهٍ أُخَر، وإنما تعتبر المقاصد الظاهرة وليس المُحتَملة في هذا الباب).

"الدُّخُول إِلَى دَارِ الإِسْلاَمِ بِغَيْرِ أَمَانٍ:

يَخْتَلِفُ حُكْمُ مَنْ دَخَل دَارَ الإِسْلاَمِ بِغَيْرِ أَمَانٍ بِاخْتِلاَفِ الأَحْوَال عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

أ- ادِّعَاءُ كَوْنِهِ رَسُولاً:

35- مَنْ دَخَل دَارَ الإِسْلاَمِ، وَقَال: أَنَا رَسُول الْمَلِكِ إِلَى الْخَلِيفَةِ، لَمْ يَصَدَّقْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلاَّ إِذَا أَخْرَجَ كِتَابًا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ كِتَابَ مَلِكِهِمْ، فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يُبَلِّغَ رِسَالَتَهُ وَيَرْجِعَ؛ لأَنَّ الرَّسُول آمِنٌ كَمَا جَرَى بِهِ الرَّسْمُ جَاهِلِيَّةً وَإِسْلاَمًا، وَلأَنَّ الْقِتَال أَوِ الصُّلْحَ لاَ يَتِمُّ إِلاَّ بِالرُّسُل، فَلاَ بُدَّ مِنْ أَمَانِ الرَّسُول لِيُتَوَصَّل إِلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ، وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ كِتَابًا أَوْ أَخْرَجَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ كِتَابُ مَلِكِهِمْ، فَهُوَ وَمَا مَعَهُ فَيْءٌ؛ لأَنَّ الْكِتَابَ قَدْ يُفْتَعَل.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُصَدَّقُ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ كِتَابٌ أَمْ لاَ، وَلاَ يُتَعَرَّضُ لَهُ لاِحْتِمَال مَا يَدَّعِيهِ.

وَذَكَرَ الرُّويَانِيُّ تَفْصِيلاً فِي الرَّسُول فَقَال: وَمَا اشْتُهِرَ أَنَّ الرَّسُول آمِنٌ هُوَ فِي رِسَالَةٍ فِيهَا مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ هُدْنَةٍ وَغَيْرِهَا، فَإِنْ كَانَ رَسُولاً فِي وَعِيدٍ وَتَهْدِيدٍ، فَلاَ أَمَانَ لَهُ، وَيَتَخَيَّرُ الإِمَامُ فِيهِ بَيْنَ الْخِصَال الأَرْبَعِ كَأَسِيرٍ، أَيِ الْقَتْل، أَوِ الاِسْتِرْقَاقِ، أَوِ الْمَنِّ عَلَيْهِ، أَوِ الْمُفَادَاةِ بِمَالٍ أَوْ نَفْسٍ، إِلاَّ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الأَوَّل" (انتهى) .

( قلت: ويُلاحَظ أنه في واقعنا المعاصر: السُّفَراء و"الدبلوماسيون" لا يحتاجون إلى ادعاء رسالةٍ أو غيرها؛ فإن الأمر أصبح ظاهرًا بالتواصل بيْن الدُّوَل، وتَأمَّل أن الراجح عند الشافعية التصديق لمَن ادَّعى أنه رسولٌ؛ تغليبًا لجانب الحفاظ على الدماء ومنع سفكها بغير حق، وكذلك تأمل في ترجيحهم أن مَن حمل رسالة الوعيد والتهديد فهو داخل في معنى الرسول ويُبَلَّغ مأمنه، ليس كما فعل بعض الملوك -كما هو مشهور عن "قُطُز" من أنه قتل رسل التتار-؛ فإن أحكام الشريعة لا تؤخذ مِن تصرفات بعض الملوك مما لم يقره الشرع، وما ذكره الشافعية هو الصحيح؛ فإن رسائل التهديد يرسلها ملوكُ المسلمين ويستقبلونها أيضًا، وليس معنى ذلك حدوث الحرب بالضرورة، بل هذه الوسائل معروفة في الكَرِّ والفَرِّ، ومعروفة في الحرب المعنوية، ولا بد مِن تأمين الرسل -ومَن كان على شاكلتهم مِن "الدبلوماسيين"- لتوصيل هذه المعلومات بيْن بلاد المسلمين وبلاد الكفار).

"ب- ادِّعَاءُ كَوْنِهِ تَاجِرًا:

36- لَوْ دَخَل الْحَرْبِيُّ دَارَنَا وَقَال: إِنَّهُ تَاجِرٌ وَقَال: ظَنَنْتُ أَنَّكُمْ لاَ تَعْرِضُونَ لِتَاجِرٍ، وَالْحَال أَنَّهُ تَاجِرٌ، فَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُقْبَل مِنْهُ، وَيُرَدّ إِلَى مَأْمَنِهِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِذَا أخذَ بِأَرْضِهِمْ، أَوْ بَيْنَ أَرْضِ الْعَدُوِّ وَأَرْضِنَا، وَادَّعَى التِّجَارَةَ، أَوْ قَال: جِئْتُ أَطْلُبُ الأَمَانَ، حَيْثُ يُرَدُّ لِمَأْمَنِهِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: قَصْدُ التِّجَارَةِ لاَ يُفِيدُ الأَمَانَ، وَلَكِنْ لَوْ رَأَى الإِمَامُ مَصْلَحَةً فِي دُخُول التُّجَّارِ، فَقَال: مَنْ دَخَل تَاجِرًا فَهُوَ آمِنٌ، جَازَ، وَمِثْل هَذَا الأَمَانُ لاَ يَصِحُّ مِنَ الآْحَادِ.

وَكَذَلِكَ لَوْ قَال: ظَنَنْتُ أَنَّ قَصْدَ التِّجَارَةِ يُفِيدُ الأَمَانَ فَلاَ أَثَرَ لِظَنِّهِ، وَلَوْ سَمِعَ مُسْلِمًا يَقُول: مَنْ دَخَل تَاجِرًا فَهُوَ آمِنٌ، فَدَخَل وَقَال: ظَنَنْتُ صِحَّتَهُ، فَالأَصَحُّ أَنَّهُ يُقْبَل قَوْلُهُ، وَلاَ يُغْتَال.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَوْ دَخَل وَادَّعَى أَنَّهُ تَاجِرٌ وَكَانَ مَعَهُ مَتَاعٌ يَبِيعُهُ، قُبِل مِنْهُ، إِنْ صَدَّقْتَهُ عَادَةً، كَدُخُول تِجَارَتِهِمْ إِلَيْنَا وَنَحْوِهِ، لأَنَّ مَا ادَّعَاهُ مُمْكِنٌ، فَيَكُونُ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْقَتْل، وَلأَنَّهُ يُتَعَذَّرُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ، فَلاَ يُتَعَرَّضُ لَهُ، وَلِجَرَيَانِ الْعَادَةِ مَجْرَى الشَّرْطِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ، وَانْتَفَتِ الْعَادَةُ، لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ، لأَنَّ التِّجَارَةَ لاَ تَحْصُل بِغَيْرِ مَالٍ، وَيَجِبُ بَقَاؤُهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ عَدَمِ الْعِصْمَةِ" (انتهى) .

الصفحة التالية