شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (18) تكملة لبعض أحكام عقد الأمان (9)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

( قلتُ: الصحيح في هذه المسألة أن يُقبَل قولُه، وذلك لحديث توبة كعب بن مالك، حيث قال فيه: "وإذا نَبَطِيّ من أنباط الشام ممن جاء يبيع الطعام بالمدينة يقول: مَن يدل على كعب بن مالك؟... الحديث"؛ وهو ظاهر في أنه دخل المدينة بأمان التُجَّار، ولم يكن هناك خصوصية بأن قال له مُسْلِمٌ: "مَن دخل تاجرًا فهو آمن"، بل بمجرد وجود البضاعة التي تدل على تجارته فهو آمنٌ، كما نص عليه المالكية مِن أنه يُقبل قوله بذلك، ويرد إلى مَأمَنِه، ونظر الإمام في مصلحة المسلمين في هذا الباب لا يَلزَم منها اغتيالُه، بل إذا رأى المصلحة في غير بقائه رُدَّ إلى مأمنه، ولم يُقَرّ حتى يبيع ما جاء ببيعه، والله أعلم).

"ج- ادِّعَاءُ كَوْنِهِ مُؤَمَّنًا:

37- مَنْ دَخَل دَارَنَا وَقَال: أَمَّنَنِي مُسْلِمٌ، فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُصَدَّقُ؛ لأَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ ثَبَتَ فِيهِ حَيْنَ تَمَكَّنُوا مِنْهُ مِنْ غَيْرِ أَمَانٍ ظَاهِرٍ لَهُ، فَلاَ يُصَدَّقُ فِي إِبْطَال حَقِّهِمْ، وَلَكِنْ إِنْ قَال مُسْلِمٌ: أَنَا أَمَّنْتُهُ قُبِل قَوْلُهُ؛ لأَنَّهُ يَمْلِكُ أَنْ يُؤَمِّنَهُ، فَقُبِل قَوْلُهُ فِيهِ كَالْحَاكِمِ إِذَا قَال: حَكَمْتُ لِفُلاَنٍ عَلَى فُلاَنٍ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ آخَرَ إِلَى أَنَّهُ يُصَدَّقُ بِلاَ بَيِّنَةٍ، تَغْلِيبًا لِحَقْنِ دَمِهِ، فَلاَ يُتَعَرَّضُ لَهُ، لاِحْتِمَال كَوْنِهِ صَادِقًا فِيمَا يَدَّعِيهِ؛ لأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لاَ يَدْخُل بِغَيْرِ أَمَانٍ، وَفِي مُقَابِل الأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يُطَالَبُ بِبَيِّنَةٍ لإِمْكَانِهَا غَالِبًا" (انتهى) .

( قلتُ: وتأمل في الأصح مِن مذهب الشافعية والحنابلة في وجهٍ عندهم إلى أن مَن ادعى الأمان أنه يصدق بلا بينة؛ تغليبًا لحقن دمه، وهذا يَدُلّك على فقه علماء المسلمين في مسألة الدماء في الجملة).

"نِكَاحُ الْمُسْلِمِ بِالْمُسْتَأْمِنَةِ:

38- صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْحَرْبِيَّةَ الْمُسْتَأْمِنَةَ إِذَا تَزَوَّجَتْ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا، فَقَدْ تَوَطَّنَتْ وَصَارَتْ ذِمِّيَّةً.

مَا يَتَرَتَّبُ لَلْمُسْتَأْمِنَةِ عَلَى النِّكَاحِ مِنْ حُقُوقٍ:

39- ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ الْمُسْتَأْمِنَةَ الْكِتَابِيَّةَ كَمُسْلِمَةٍ فِي نَفَقَةٍ، وَقَسْمٍ، وَطَلاَقٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الزَّوْجُ مُسْلِمًا؛ لاِشْتِرَاكِهِمَا فِي الزَّوْجِيَّةِ.

التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمُسْتَأْمِنِ وَزَوْجَتِهِ لاِخْتِلاَفِ الدَّارِ:

40- ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْحَرْبِيَّ إِذَا خَرَجَ إِلَيْنَا مُسْتَأْمِنًا، أَوِ الْمُسْلِمَ إِذَا دَخَل دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ لَمْ تَقَعِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ؛ لأَنَّ اخْتِلاَفَ الدَّارِ عِبَارَةٌ عَنْ تَبَايُنِ الْوِلاَيَاتِ وَذَلِكَ لاَ يُوجِبُ ارْتِفَاعَ النِّكَاحِ، وَلأَنَّ الْحَرْبِيَّ الْمُسْتَأْمِنَ مِنْ أَهْل دَارِ الْحَرْبِ، وَإِنَّمَا دَخَل دَارَ الإِسْلاَمِ عَلَى سَبِيل الْعَارِيَةِ لِقَضَاءِ بَعْضِ حَاجَاتِهِ لاَ لِلتَّوَطُّنِ.

التَّوَارُثُ بَيْنَ الْمُسْتَأْمِنِينَ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ:

41- ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ التَّوَارُثُ بَيْنَ مُسْتَأْمِنَيْنِ فِي دَارِنَا إِنْ كَانَا مِنْ دَارٍ وَاحِدَةٍ، كَمَا يَثْبُتُ بَيْنَ مُسْتَأْمِنٍ فِي دَارِنَا وَحَرْبِيٍّ فِي دَارِهِمْ، لاِتِّحَادِ الدَّارِ بَيْنَهُمَا حُكْمًا، هَذَا فِي الْجُمْلَةِ.

الْمُعَامَلاَتُ الْمَالِيَّةُ لِلْمُسْتَأْمِنِ:

42- نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَأْمِنَ فِي دَارِ الإِسْلاَمِ كَالذِّمِّيِّ إِلاَّ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ، وَعَدَمِ مُؤَاخَذَتِهِ بِالْعُقُوبَاتِ غَيْرَ مَا فِيهِ حَقُّ الْعَبْدِ، وَفِي أَخْذِ الْعَاشِرِ مِنْهُ الْعُشْرَ، لأَنَّهُ الْتَزَمَ أَحْكَامَ الإِسْلاَمِ أَوْ أُلْزِمَ بِهَا مِنْ غَيْرِ الْتِزَامِهِ، لإِمْكَانِ إِجْرَاءِ الأَحْكَامِ عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي دَارِ الإِسْلاَمِ، فَيَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُ الذِّمِّيَّ فِي مُعَامَلاَتِهِ مَعَ الآْخَرِينَ، وَعَلَى هَذَا فَلاَ يَحِل أَخْذُ مَالِهِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، بِخِلاَفِ الْمُسْلِمِ الْمُسْتَأْمِنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّ لَهُ أَخْذُ مَالِهِمْ بِرِضَاهُمْ وَلَوْ بِرِبَا أَوْ قِمَارٍ؛ لأَنَّ مَالَهُمْ مُبَاحٌ لَنَا إِلاَّ أَنَّ الْغَدْرَ حَرَامٌ، وَمَا أُخِذَ بِرِضَاهُمْ لَيْسَ غَدْرًا مِنَ الْمُسْتَأْمِنِ بِخِلاَفِ الْمُسْتَأْمِنِ مِنْهُمْ فِي دَارِنَا؛ لأَنَّ دَارَنَا مَحَل إِجْرَاءِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، فَلاَ يَحِل لِمُسْلِمٍ فِي دَارِنَا أَنْ يَعْقِدَ مَعَ الْمُسْتَأْمِنِ إِلاَّ مَا يَحِل مِنَ الْعُقُودِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ شَيْءٌ لاَ يَلْزَمُهُ شَرْعًا وَإِنْ جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ" (انتهى) .

الصفحة السابقة