الذكرى المئوية لــ"وعد بلفور!"
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد صار مِن المعلوم للقاصي والداني أن منطقتنا العربية تتعرض إلى مخططاتٍ يقودها مِن وراء ستار، الغرب وأمريكا؛ لإعادة تقسيم البلدان العربية مِن جديدٍ لإضعافها فوق ما هي عليه مِن ضعف، ولتمزيقها فوق ما هي عليه مِن تمزقٍ، ولمنع فرص توحدها رغم ما هي عليه مِن تشتتٍ لا يُرجى معه اتحاد!
ومع ذلك فما زلنا نعاني مِن جهلنا بتاريخنا بالقدر الذي يمكننا مِن التعامل مع هذه المخططات، ونحن نوافق مرور قرنٍ مِن الزمان على سابقة تقسيم المنطقة العربية إلى كياناتٍ تفصلها حدود سياسية مصطنعة، وضعها الغرب بعد إسقاطه للدولة العثمانية التي كانت تجمع المنطقة كلها في وحدةٍ واحدة، وتدفع عنها أطماع الأوربيين.
مرَّ قرنٌ على "الثورة العربية" على تركيا، والتي مكَّنت بريطانيا مِن دخول القدس ودمشق، وعلى معاهدة "سايكس - بيكو" التي طعنتْ بها بريطانيا مَن وثق بها وبعهودها مِن العرب، وعلى "وعد بلفور" الذي وفـَّتْ به بريطانيا للحركة الصهيونية واليهود، بمباركةٍ مِن الدول الأوروبية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى!
وأظن أن الكثيرين لا يعلمون عن هذه الأحداث الجسام إلا أسماءها؛ رغم أنهم يحتاجون إلى أن تكون أمام أعينهم ليل نهار، وهي تتكرر أمامهم بأسماءٍ جديدة، فغاب عنهم مع اختلاف الأساليب أن الهدف واحد، حتى ظنوا أن عدوهم يساعدهم، وهو يكيد بهم كما كاد بمَن سبقهم؛ فهلا استفدنا مِن التجربة حتى لا تحاسبنا الأجيال القادمة على سوء صنعنا!
وفي الذكرى المئوية لـ"وعد بلفور" في نوفمبر 2017م أكتب للتذكير به وبآثاره فقراتٍ مختصرة، وهي وإن لم تعطِ الموضوع حقه، لكنها الحد الأدنى الذي يجب أن يعرفه المرء، وما لا يُدرك كله لا يُترك كله، ولعلها تكون دافعًا للاستزادة لمَن أراد الزيادة.
أسأل الله -تعالى- أن يهيئ للأمة أمر رشد، ويحفظها مما يدبر لها، ويهديها إلى سواء السبيل، ولله الأمر مِن قبْل ومِن بعد.
"وعد بلفور":
في 2 نوفمبر 1917م، صدر "وعد بلفور" الذي تتعهد فيه الحكومة البريطانية بالسعي لإقامة وطنٍ قومي لليهود في فلسطين، وهو الوعد الذي كان مع اتفاقية "سايكس بيكو" في مايو 1916م -مِن قبله- الأساس الذي بنتْ عليه إنجلترا جهودها لتمكين اليهود مِن إقامة دولتهم (إسرائيل) في فلسطين؛ لذا كان هذا الوعد نقطة تحول كبيرة في القضية الفلسطينية.
اتفاقية "سايكس بيكو":
في إطار النظرة الاستعمارية الأوروبية خططت إنجلترا وفرنسا خلال الحرب العالمية الأولى لتقسيم ممتلكات الدولة العثمانية العربية فيما بينها حال هزيمة دول المحور (ألمانيا والنمسا وتركيا)، فكانت المفاوضات بيْن وزير خارجية بريطانيا "مارك سايكس"، ووزير خارجية فرنسا "جورج بيكو" السرية التي أدت إلى (اتفاقية سايكس بيكو) لتقسيم المنطقة العربية بعد هزيمة تركيا، والتي وافقتْ عليها روسيا القيصرية، واُستكملت بانضمام إيطاليا لها في اتفاق (سان دو دوريان)، حيث تم الاتفاق على تقسيم المنطقة العربية بحيث:
- توضع سوريا الكبرى (سوريا ولبنان حاليًا) بالإضافة إلى الموصل (في العراق) تحت الحكم الفرنسي.
- توضع العراق ومنطقة شرق نهر الأردن تحت الحكم البريطاني.
- تدويل معظم فلسطين، لحساسية موضع فلسطين في المنطقة، مع وضع مرفأي: "حيفا وعكا" تحت الحكم البريطاني.
وقد جاءتْ موافقة بريطانيا على تدويل فلسطين في مفاوضاتها مع فرنسا كحل وسط مرحلي، لحين توفر الظروف المناسبة لبسط نفوذها على كل فلسطين؛ إذ إن تدويل فلسطين يمنع ضمها للانتداب الفرنسي، خاصة وأن فرنسا تهتم بحماية الأماكن الكاثوليكية المقدسة، ونصارى الشام أبناء المذهب الكاثوليكي، ولها امتيازات مِن الدولة العثمانية في ذلك.
وهذا يعني كذلك إبعاد فرنسا عن قناة السويس بموقعها المميز وأهميتها الملاحية، كما أن روسيا القيصرية تعتبر نفسها حامية للأرثوذكس في الشرق؛ فلن تقبل بدورها سيطرة منفردة مِن بريطانيا أو فرنسا على فلسطين.
- وأعطى الاتفاق روسيا القيصرية شمال شرق الإمبراطورية التركية، ولهذا تركت إنجلترا الموصل لفرنسا؛ لئلا يكون لها حدود مشتركة مع روسيا.
فلما قامت الثورة البلشفية في روسيا وسقطت القيصرية، وعلم البلاشفة بأمر اتفاقية (سايكس بيكو) فكشفوها في خريف 1917م، وانسحبوا مِن الحرب ثم مِن مفاوضات السلام بعد انتهاء الحرب، ثم تمكنتْ إنجلترا مِن الوصول إلى فرض انتدابها على فلسطين كلها، حيث قبلت فرنسا ذلك في مقابل موافقة إنجلترا على شروط فرنسا القاسية للصلح مع ألمانيا المهزومة بما يوافق مصالح الأمن الفرنسي، وهي الشروط التي تجسدت في معاهدة "فرساي"، وكانت أحد أسباب صعود النازية في ألمانيا؛ حيث أقام "هتلر" دعوته القومية على رفض معاهدة "فرساي" المفروضة على ألمانيا.
اهتمام إنجلترا بالسيطرة على فلسطين:
كانت إنجلترا تنظر بأهمية لفلسطين -والمنطقة العربية- لتأمين الطريق البحري والبري إلى مستعمراتها الهندية، ولهذا وضعت يدها على شركة قناة السويس بشراء أسهم الخديوي إسماعيل عام 1875م لتصبح هي المساهم الأساسي في شركة القناة، ثم سيطرت على مصر واحتلتها في عام 1882م، وأعلنت الحماية عليها مع بدء الحرب العالمية الأولى عام 1914م، بالإضافة إلى بسط نفوذها على جنوب الجزيرة العربية، كما حصلت لندن على أول حق لاستخراج النفط في إيران عام 1909م؛ لذا كان مد بريطانيا نفوذها إلى فلسطين -القريبة مِن قناة السويس- يؤمِّن لبريطانيا تمامًا مصالحها في المنطقة.
تطلع الحركة الصهيونية إلى فلسطين: