الذكرى المئوية لــ"وعد بلفور!"
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
نشأت الحركة الصهيونية الحديثة على يد "هرتزل" في 1897م لإقامة دولة يهودية على أرض فلسطين، وتعددت مساعي زعماء الحركة الصهيونية بحثًا عن هدفها، وكانت بريطانيا أحد المحاور التي حاول زعماء الحركة الصهيونية استمالتها إلى صفها لمساعدتها، وكللت تلك الجهود بإقناع الحكومة البريطانية -رأس الاستعمار القديم- بإقامة دولة لليهود في فلسطين تكون راعية للمصالح البريطانية مِن جهة، وحلًا لمشاكل اليهود في أوروبا بهجرة اليهود الجماعية إليها مِن جهة، وخنجرًا في المنطقة العربية يستنزفها ويعرقل مسيرتها، فتظل في حالة تسمح دائمًا بسلب خيراتها والتحكم في مقدراتها، فكان "وعد بلفور".
دور "حاييم وايزمان" في ظهور "وعد بلفور":
سعى "حاييم وايزمان" أحد زعماء الحركة الصهيونية الحديثة للحصول على وعدٍ مِن بريطانيا بإقامة دولة لليهود في فلسطين مِن خلال بناء شبكةٍ مِن العلاقات السياسية في لندن مع صناع القرار البريطاني، حيث قام المكتب الصهيوني في لندن بالاتصال بالعديد مِن المسئولين البريطانيين اليهود وغير اليهود، منهم:
- (هيربرت صموئيل): وهو بريطاني يهودي، تسلم وزارة الداخلية البريطانية في عام 1916م، ثم أصبح بعد ذلك أول مندوب سامي لبريطانيا في فلسطين بعد فرض الانتداب البريطاني عليها.
- (لويد جورج): أحد زعماء الحزب الليبرالي البريطاني، الذي أصبح فيما بعد وزيرًا للذخائر ثم وزيرًا للحربية، ثم تسلم رئاسة الحكومة عام 1916م ليقود بريطانيا في أوج الحرب العالمية الأولى، ثم يقود مفاوضات السلام بعد انتصار الحلفاء، وفي خلال رئاسته للحكومة صدر "وعد بلفور"، وأدخل الوعد ضمن وثيقة الانتداب البريطاني على فلسطين، ونال موافقة (عصبة الأمم) عليه، وتقبلته الدول الكبرى الحليفة لبريطانيا، ومِن ثَمَّ أدخل حيز التنفيذ!
- (أرثر جيمس بلفور): الذي حمل الوعد اسمه، وكان رئيسًا سابقًا للحكومة البريطانية، ثم وزيرًا للخارجية في حكومة الحرب التي رأسها "لويد جورج".
- (مارك سايكس): الخبير في شئون الشرق الأوسط، والذي أصبح أمينًا عامًّا لحكومة الحرب، وكان حلقة الاتصال بيْن المكتب الصهيوني في لندن والحكومة البريطانية، وشارك في المفاوضات مع فرنسا وروسيا القيصرية.
ومما ساعد على ارتفاع منزلة (وايزمان) عند الحكومة البريطانية توصله مِن خلال تجاربه الكيميائية مِن صنع "مادة الأسيتون" عن طريق التخمير الجرثومي، وكانت تستخدم وقتها في صنع المواد المتفجرة التي كانت تستخدمها القوات البحرية البريطانية، وعن طريق تصنيع الأسيتون دخل (وايزمان) كمستشار في وزارة البحرية، وكان وزير البحرية وقتها (ونستون تشرشل)، وكمستشار في وزارة الذخائر التي كان وزيرها وقتها (لويد جورج)، وهو في طريق صعوده إلى رئاسة الحكومة، وقد ذكر (لويد جورج) في مذكراته أن أحد أسباب دعمه للمشروع الصهيوني مساهمة "وايزمان" في إنتاج الأسيتون.
(حاييم وايزمان):
يهودي مِن مواليد روسيا البيضاء عام 1874م، انتقل كأستاذ مساعد إلى جامعة مانشستر ببريطانيا بعد حصوله على درجة الدكتوراه في العلوم، بعد دراسة في ألمانيا وسويسرا، وعمل كمدرسٍ للكيمياء في جامعة جينيف، وشارك "وايزمان" بعد تأسيس الحركة الصهيونية الحديثة في كل المؤتمرات الصهيونية، وكان ممن رفضوا عرض "هرتزل" قبْل وفاته بإقامة دولة لليهود في أوغندا، وتمسك كغالبية اليهود الروس والشرقيين بإقامة الدولة اليهودية في فلسطين، ولدوره الكبير أصبح رئيسًا للمنظمة الصهيونية العالمية عام 1920م، ثم رئيسًا للوكالة اليهودية عام 1929م، ثم صار أول رئيس لإسرائيل بعد إعلان قيامها في مايو 1945م إلى أن توفي عام 1952م.
وسعت بريطانيا إلى تحقيق مصالحها في المنطقة العربية، فتعاملتْ خلال فترة الحرب العالمية الأولى مع كل الأطراف ذات المصالح المختلفة -وهي مصالح متناقضة الأهداف- في المنطقة مِن منظورٍ يوافق مصالحها الخاصة القريبة والبعيدة، كدولة استعمارية تتزعم الاستعمار القديم في تلك الفترة؛ ففاوضتْ فرنسا بشأن تقسيم المنطقة العربية سرًّا، وأدت المفاوضات إلى اتفاقية "سايكس - بيكو" بما يؤمِّن طرقها البرية والبحرية إلى مستعمراتها في الهند.
وفاوضت "الشريف حسين" شريف مكة في الحجاز بنفوذه الديني والسياسي، وتبنيه للحركة القومية العربية، وعلاقته بجمعياتها السرية في سوريا ولبنان لمساندة الحلفاء ضد تركيا -دولة الخلافة!- في مقابل تحقيق أمانيه في تكوين دولة عربية كبيرة تضم الحجاز والشام والعراق، وهو ما أدى إلى قيام الثورة العربية ضد تركيا، ودخول الحلفاء بمساندة "الشريف حسين" للقدس ودمشق!
لقد أدركتْ بريطانيا أن مِن مصلحتها اجتذاب العرب بثقلهم البشري والعسكري، وزعامة "الشريف حسين بن علي" لفتح جبهةٍ جديدة ضد تركيا في المنطقة العربية تقضي على الحاميات العربية في الجزيرة العربية؛ مما يؤثـِّر سلبيًّا على تركيا في حربها ضد إنجلترا، وقد تم ذلك مِن خلال تبادل رسائل سرية مع المندوب السامي في مصر (هنري مكماهون) مِن يوليو 1915م، وانتهت برسالة مِن (مكماهون) في 24 أكتوبر 1915م تعد فيها "الشريف حسين" بالاستقلال العربي ضمن الحدود التي طلبها "ومنها قطعًا فلسطين".
وقد سبق (وعد مكماهون) في نهاية عام 1915م وعد "بلفور" لليهود في نوفمبر 1917م، وترتب عليه إعلان الثورة العربية في الحجاز في 10 يونيو 1916م، وواكب ذلك عقد اتفاقية "سايكس - بيكو" في مايو 1916م لتقسيم الشام والعراق بيْن إنجلترا وفرنسا بعد نهاية الحرب العالمية الأولى وهزيمة تركيا فيها، وهذا ما كان.
ونكثت بريطانيا بوعدها "للشريف حسين" ولم تعترف به إلا ملكًا على الحجار فقط، واقتسمت الشام والعراق مع فرنسا، وسعت للوفاء بوعد "بلفور" لزعماء الحركة الصهيونية!
لقد وعدتْ بريطانيا "الشريف حسين" وهي لا تنوي الوفاء بوعدها كما يريد، إذ كانت تدرك أنها تستطيع بسهولة القضاء على الحركات القومية العربية ونزعتها الاستقلالية بقوة السلاح؛ لضعف العرب مِن جهةٍ، ولعدم وجود علاقات دولية لهم تدعمهم أمام أطماع بريطانيا خاصة بعد هزيمة تركيا الحامية لهم.