شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (33) وماذا بعد موقعة الحرَّة؟!

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد ذكرنا في المقال السابق تفاصيل معركة الحرَّة بعد خلع أهل المدينة ليزيد بن معاوية، ونقضهم البيعة وما آلت إليه الأمور في جيش أهل المدينة بعد هزيمتهم.

أعمال مسلم بن عقبة بعد معركة الحرَّة:

- نهب المدينة:

لقد اشتٌهر أن مسلم بن عقبة المري، أمر بانتهاب المدينة، فمكثوا ثلاثة أيام مِن شهر ذي الحجة ينتهبون المدينة حتى رأوا هلال محرم، فأمر الناس فكفوا؛ وذلك لأن معركة كانت لثلاثٍ بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين للهجرة، وتعتبر رواية نافع مولى بن عمر هي أصح رواية نصت على حدوث الانتهاب، فقد قال: "وظفر مسلم بن عقبة بأهل المدينة وقتلوا وانتهبت المدينة ثلاثًا" (الطبقات الكبرى لابن سعد) .

وقد وردتْ لفظة الاستباحة عند السلف لتعني النهب، وقرار انتهاب المدينة الذي اتخذه هو يزيد بن معاوية، وقد حمله الإمام أحمد مسئولية انتهاب المدينة، فعندما سأله مهنا بن يحيى الشامي السلمي عن يزيد، قال: "هو الذي فعل بالمدينة ما فعل!"، قلتُ: "وما فعل؟"، قال نهبها" (السُّنة للخلال) .

وقال ابن تيمية -رحمه الله-: "فبعث إليهم -أي أهل المدينة- جيشًا، وأمره إذا لم يطيعوه بعد ثلاث أن يدخلها بالسيف ويبيحها ثلاثًا" (الوصية الكبرى لابن تيمية) ، وذهب إلى ذلك ابن حجر (تهذيب التهذيب) ، وبهذا قال ابن كثير (البداية والنهاية) ، وأبو الفدا (1) ، وغيرهم.

ولا يشك أن انعدام الأمن والخوف في المدينة قد أدّى بالبعض إلى الهروب مِن المدينة، والالتجاء إلى الجبال المجاورة، كما حدث لأبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، فقد هرب مِن المدينة ودخل غارًا والسيف في عنقه، ودخل عليه شامي فأمره بالخروج، فقال: "لا أخرج وإن تدخل قتلتك، فدخل عليه، فوضع أبو سعيد السيف، وقال: بؤ بإثمي وإثمك. قال: أنت أبو سعيد الخدري؟! قال: نعم. قال: فاستغفر لي، فخرج" (تاريخ خليفة لابن خياط) .

ونود أن نشير إلى أن النهب لم يشمل كل أهل المدينة، فلم نسمع أن ابن عمر قد انتهبت داره أو علي بن الحسين، أو غيرهما مِن الذين لم يقفوا بجانب المعارضين، وإنما كان الانتهاب في الأماكن التي يدور فيها القتال، وتعرف فيه معارضة للحكم الأموي (مواقف المعارضة في خلافة يزيد للشيباني) ، ثم إن الذين قاموا بالنهب فئة مِن الجيش وليس الجيش كله؛ لأن الجيش يضم أخلاطـًا مِن الناس، فالجيش الشامي تعداده حوالي اثني عشر ألف مقاتل (المرجع السابق) .

ما قيل حول انتهاك الأعراض:

بعد التتبع لكتب التاريخ التي تُعد بمثابة العٌمدة حول أحداث موقعة الحرة، مثل: (تاريخ الطبري، وأنساب الأشراف للبلاذري، وتاريخ خليفة بن خياط، وطبقات ابن سعد)، لم نجد ما يشير إلى وقوع انتهاك أعراض النساء مِن قِبَل جيش يزيد، وأول مَن أشار إلى انتهاك الأعراض: المدائني -المتوفى سنة 225هـ- حيث قال المدائني عن أبي قرة عن هشام بن حسان، قال: "وَلَدت بعد الحرة ألف امرأة مِن غير زوج!"، ويعتبر ابن الجوزي هو أول مَن أورد هذا الخبر في تاريخه مِن طريق هشام بن حسان، قال: "ولدت ألف امرأة بعد الحرة مِن غير زوج" (المنتظم في تاريخ الأمم والملوك لابن الجوزي) .

وقد نقلها عن ابن الجوزي السمهودي مؤرخ المدينة، المتوفى في القرن العاشر الهجري، وقد ورد في دلائل النبوة للبيهقي مِن طريق يعقوب بن سفيان، قال: "حدثنا يوسف بن موسى حدثنا جرير بن المغيرة قال: أنهب مسرف بن عقبة المدينة ثلاثة أيام، فزعم المغيرة أنه افتض فيها ألف عذراء! ومِن الجدير بالذكر أن كل مَن أورد خبر انتهاك أعراض أهل المدينة في معركة الحرَّة قد اعتمد على رواية يعقوب أو رواية المدائني فقط، وكلاهما لا تصح ولا تثبت (2) .

ويبدو أن الطبري، والبلاذري، وخليفة بن خياط، وغيرهم، لم يقتنعوا بصحة هذا الخبر، فإنهم قد أعرضوا عنه ولم يدخلوه في كتبهم ولا يوجد خبر صحيح الإسناد في حادثة الاغتصاب المزعومة، وقد أورد هذا الخبر أيضًا ابن كثير (البداية والنهاية) ، وقد أقر بوقوع انتهاك الأعراض أيضًا ابن تيمية (3) ، وابن حجر (الإصابة) ، ومع ذلك لم يوردا مصادرهما التي استقيا منها معلوماتهما تلك، ثم إن القرائن المصاحبة لمعركة الحرّة لا تثبت أي نوع مِن الاغتصاب، وقد رأينا أن الروايات الحسنة التي ذكرت انتهاب المدينة وأثبتناها في موضعها، لم يرد فيها ذكر لانتهاك الأعراض، ومِن المعلوم أن وقوع حالات الاغتصاب هي أعظم وأشد مِن النهب، فلو كانت واقعة مع حالات النهب لذكرها الرواة الذين ذكروا وقوع النهب.

ثم إن المدينة في هذا التوقيت كانت تضم بيْن جنباتها كثيرًا مِن الصحابة وأهل التقوى والصلاح، فكيف يسكت هؤلاء على وقوع هذا الجٌرم دون إنكار؟! ولم يرد ذكر انتهاك الأعراض على لسان كبار الصحابة الذين شهدوا الواقعة، ولم يٌعرف عن أحدٍ مِن المسلمين الوقوع في هذا الفعل حتى مع الكافرات، منذ عصر الرسالة وحتى عصر الفتوحات، وذلك مع كثرة الفتوحات؛ فكيف يكون هذا مع المسلمات العفيفات؟! فلا بد مِن وجود أدلة صريحة وصحيحة، واعتراف مِن أهل الزمان والمكان للاعتراف بوقوع هذا الجرم العظيم (مواقف المعارضة في خلافة يزيد للشيباني) .

أخذ البيعة مِن أهل المدينة ليزيد بن معاوية ووفاة مسلم بن عقبة:

تعتبر الكيفية التي تمّ بها أخذ البيعة مِن المدنيين مِن أكبر الأمور التي انتقد فيها يزيد معاوية، فقد وردت الروايات لتبيِّن أن مسلم بن عقبة أخذ البيعة مِن أهل المدينة على أنهم عبيد ليزيد بن معاوية، يتصرف في دمائهم وأموالهم كيفما يشاء، وتضيف إحدى الروايات: على أن البيعة تضمنت الحرية الكاملة ليزيد بن معاوية للتصرف في دمائهم وأمواله وأهلهم (أنساب الأشراف للبلاذري) .

الصفحة التالية