صفحات مِن ذاكرة التاريخ (33) وماذا بعد موقعة الحرَّة؟!
زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ
وتضيف إحدى الروايات صيغة أخرى لأخذ البيعة مِن أهل المدينة، فتذكر الرواية: أنهم بايعوا كعبيدٍ ليزيد في طاعة الله ومعصيته! وهذه الرواية سندها ضعيف (مواقف المعارضة في خلافة يزيد للشيباني) ، وليس هناك تفصيل وبيان عمن بايع على هذه الصفة، وهل كل المدنيين بايعوا هذه البيعة بمَن فيهم ابن عمر وعلي بن الحسين وأبي سعيد الخدري وسعيد بن المسيب، وغيرهم مِن الذين لم يشتركوا في محاربة أهل الشام؟! والذي يبدو مِن خلال مجمل الروايات أنه فور انتهاء معركة الحرّة دعا مسلم بن عقبة الناس للبيعة، كما يبدو أن البيعة أخذت مِن جميع الناس (تاريخ دمشق لابن عساكر) .
فعن جابر بن عبد اللَّه قال: لما قدم مسلم بن عقبة المدينة بايع الناس -يعني بعد وقعة الحرّة- قال: "وجاءه بنو سلمة فقال: لا أبايعكم حتى يأتي جابر، قال: فدخلت على أم سلمة أستشيرها، فقالت: إني لأراها بيعة ضلالة، وقد أمرت أخي عبد اللَّه بن أبي أمية أن يأتيه فيبايعه. قال: فأتيته فبايعته" (4) ، ولعل بني أمية بايعوا ليزيد ليكونوا قدوة للناس وتأكيدًا على طاعتهم له، حتى إن علي بن الحسين قد أٌتي به إلى مسلم بن عقبة فأكرمه مسلم، وذلك بسبب وصية يزيد لمسلم بوجوب حسن معاملة الحسين بن علي مما يدل على أن أهل المدينة جميعًا، الخارج على طاعة يزيد والمقر بطاعة يزيد كلهم قد دعوا إلى مسلم بن عقبة (البداية والنهاية لابن كثير) .
ولقد وردت روايات أخرى تبيِّن أن هذه البيعة كانت لفئةٍ معينة، وكان الدافع لذلك هو غضب مسلم بن عقبة على هذه الفئة (المحاسن والمساوئ للبيهقي) ، فالله أعلى وأعلم بالصواب، وقد قام مسلم بقتل ثلاثة مِن قادة حركة المعارضة، وهم: يزيد بن عبد الله بن زمعة بن الأسود، ومحمد بن أبى الجهم بن حذيفة العدوى، ومعقل بن سنان الأشجعي.
وفي النهاية بايع الجميع ولو مكرهًا أو خوفًا مِن القتل؛ لا سيما مع القسوة والشدة مِن قِبَل مسلم بن عقبة، وبهذا تم القضاء على حركة المعارضة، ولما بلغ يزيد خبر أهل المدينة وما وقع بهم قال: واقوماه ثم دعا الضّحَّاك بن قيس الفهري فقال له: ترى ما لقي أهل المدينة، فما الرأي الذي يجبرهم؟ قال الطعام والأعطية، فأمر بحمل الطعام إليهم وأفاض عليهم أعطيته (البداية والنهاية لابن كثير) ، علمًا بأن مسلمًا لم يفاجئ أهل المدينة بالقتال، ولكنه أنذرهم وحذرهم، وحاول إقناعهم وألحّ عليهم أن يقبلوا السلام، وأن يكفوا عن القتال، ولكنهم سبوه وشتموه وردوا عليه أمانه، ويا ليت مسلمًا امتنع مِن حصار المدينة المحرمة وقتال أهلها، ولكنه دخل معهم في معركة طاحنة، وأنزل بأهل المدينة روعًا عظيمًا، وأعمل فيهم السيوف وقتل خيارهم، وانتهت المعركة واستسلمت المدينة.
وفي أوّل المحرم مِن عام 64 هـ - 683م بعد فراغ مسلم مِن حرب المدينة، سار إلى مكة قاصدًا قتال ابن الزبير، ولما بلغ ثنيَّة هرْش -مكان مرتفع مِن طريق مكة، قريبة مِن الجحفة يرى منها البحر- بعث إلى رؤوس الأجناد فجمعهم، فقال: إنّ أمير المؤمنين عهد إليَّ إن حدث بي حدث الموت أن أستخلف عليكم حصين بن نمير السَّكوني. ثم دعا به فقال: احفظ ما أوصيك به. ثم أمره إذا وصل مكة أن يناجز بن الزبير قبْل ثلاث، ثم مات ودفن بالمُشلل -بيْن مكة والمدينة-.
قراءة وتحليل حول موقعة الحرَّة:
لا شك أن القتال الذي حدث بيْن المسلمين في القرن الأول الهجري هو مِن الفتن والمصائب التي حلَّت بالمسلمين؛ لأنه اشتبه على كثيرٍ مِن الناس الحق والباطل؛ لذا قد اعتزل كثيرٌ مِن الصحابة أحداث موقعتي الجمل وصفين، وذلك نظرًا لالتباس الأمور عليهم وعدم وضوح الحق، أو حقنًا لدماء المسلمين؛ لأن المنازع هو مِن المسلمين وقد حٌرم دمه وماله وعرضه، وقد اعتمد هؤلاء على حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفُهُ، وَمَنْ وَجَدَ فِيهَا مَلْجَأً فَلْيَعُذْ بِهِ ) (متفق عليه) ، وفي رواية: ( إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ، وَالقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ المَاشِي، وَالمَاشِي خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي ) قَالَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي وَبَسَطَ يَدَهُ إِلَيَّ لِيَقْتُلَنِي؟! قَالَ: ( كُنْ كَابْنِ آدَمَ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .
ولا شك أن معركة الحرَّة كانت مؤسفة للغاية، وهو خطأ بلا شك قد وقع فيه كثيرون مِن أهل المدينة، وجٌرم ارتكبه بعض أهل الشام، وقد حمَّل كثيرٌ مِن المؤرخين والعلماء يزيد بن معاوية مسئولية ما حدث، بل يٌعتبر هو المسئول الأول؛ لأنه هو الذي أذِن لمسلم بن عقبة بأن يفعل ما فعل، وكذلك أهل المدينة يتحملون مسئولية كبيرة؛ لأنهم أصروا على موقفهم، ولم يسمعوا نصيحة أكابر الصحابة حول نقضهم البيعة، لكن ما حدث لا يدعونا إلى الإنكار لهذه الأحداث بالكلية.
وكذلك لا نقبل التضخيم والتهويل، ولا شك أن موقعة الحرة مِن الفتن التي حدثت بيْن المسلمين، وقد ظنَّ أهل المدينة أن المصلحة ستتحقق بما فعلوا، وستعود الشورى مرة أخرى، وللأسف فقد ازدادت المفسدة، فلا أقاموا دينًا ولا أبقوا دنيا!
وهناك أسباب كثيرة أدتْ إلى هزيمة أهل المدينة، منها:
عدم وجود القائد الحكيم الذي يستطيع أن يزن الأمور بميزانها الصحيح المعتبر، فلا بد للقائد أن يجيد فهم الواقع، وأن يجيد الترجيح بيْن المصالح والمفاسد، وأن يجيد فقه الحركة، بمعنى: متى يتقدم؟ ومتى يتأخر؟ ومتى يثبت مكانه؟