صفحات مِن ذاكرة التاريخ (33) وماذا بعد موقعة الحرَّة؟!
زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "فَإِنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- بَعَثَ رَسُولَهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا، وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا. فَإِذَا تَوَلَّى خَلِيفَةٌ مِنَ الْخُلَفَاءِ: كَيَزِيدَ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ، وَالْمَنْصُورِ، وَغَيْرِهِمْ، فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: يَجِبُ مَنْعُهُ مِنَ الْوِلَايَةِ وَقِتَالُهُ حَتَّى يُوَلَّى غَيْرُهُ كَمَا يَفْعَلُهُ مَنْ يَرَى السَّيْفَ؛ فَهَذَا رَأْيٌ فَاسِدٌ، فَإِنَّ مَفْسَدَةَ هَذَا أَعْظَمُ مِنْ مَصْلَحَتِهِ. وَقَلَّ مَنْ خَرَجَ عَلَى إِمَامٍ ذِي سُلْطَانٍ إِلَّا كَانَ مَا تَوَلَّدَ عَلَى فِعْلِهِ مِنَ الشَّرِّ أَعْظَمَ مِمَّا تَوَلَّدَ مِنَ الْخَيْرِ. وَأَمَّا أَهْلُ الْحَرَّةِ وَابْنُ الْأَشْعَثِ وَابْنُ الْمُهَلَّبِ وَغَيْرُهُمْ فَهُزِمُوا وَهُزِمَ أَصْحَابُهُمْ، فَلَا أَقَامُوا دِينًا وَلَا أَبْقَوْا دُنْيَا. وَاللَّهُ -تَعَالَى- لَا يَأْمُرُ بِأَمْرٍ لَا يَحْصُلُ بِهِ صَلَاحُ الدِّينِ وَلَا صَلَاحُ الدُّنْيَا، وَإِنْ كَانَ فَاعِلُ ذَلِكَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ، وَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلَيْسُوا أَفْضَلَ مِنْ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يُحْمَدُوا مَا فَعَلُوهُ مِنَ الْقِتَالِ (5) ، وَهُمْ أَعْظَمُ قَدْرًا عِنْدَ اللَّهِ وَأَحْسَنُ نِيَّةً مِنْ غَيْرِهِمْ".
وإذا تأملنا كلام شيخ الإسلام -رحمه الله- نلحظ أنه كان دقيقًا جدًّا في اختيار ألفاظه، فلقد قال: "وَقَلَّ مَنْ خَرَجَ عَلَى إِمَامٍ ذِي سُلْطَانٍ إِلَّا كَانَ مَا تَوَلَّدَ عَلَى فِعْلِهِ مِنَ الشَّرِّ أَعْظَمَ مِمَّا تَوَلَّدَ مِنَ الْخَيْرِ".
ومعنى على إمام ذي سلطان: أي ذي منعة وشوكة وقوة، أما في حالات ضعف الإمام فربما يؤدي ذلك إلى حدوث التغيير، كما قامت الدولة العباسية بعد وقوع الضعف الشديد الذي حلَّ بآخر خلفاء عصر بني أمية، ولما حلَّ الضعف كذلك بالدولة العباسية قامت الدويلات المستقلة في المشرق والمغرب في ظل وجود الخلافة العباسية، فلقد استطاع عبد الرحمن الداخل أن يعيد قيام الدولة الأموية في الأندلس، وقد قامتْ بعض الدول في بلاد المغرب: كالدولة الرستمية ودولة الأدارسة، ودولة الأغالبة، وكذا قامت بعض الدول الأخرى في بلاد المشرق: كالدولة الطاهرية والدولة الصفارية، والدولة السامانية، والدولة الغزنوية، وفي مصر والشام: قامت الدولة الطولونية، والدولة الإخشيدية، والدولة الحمدانية، والدولة الفاطمية، والدولة الأيوبية، والدولة المملوكية، وغير ذلك مِن الدول التي استقلت عن الدولة العباسية؛ كل ذلك في ظل وجود الخلافة العباسية، لكن كان الخليفىة العباسي آنذاك عبارة عن صورةٍ شكلية فقط، وليس له مِن الأمر مِن شيءٍ؛ فلا يستطيع أن يأمر أو وينهى أو أن يولي ويعزل مَن شاء؛ لذا نقول: هناك مَن استطاع التغيير، فالأمر مرده إلى دراسة موازين القوى، والترجيح بيْن المصالح والمفاسد.
ومِن أهم أسباب الفشل أيضًا: تعدد القادة؛ لأن تعدد القوّاد في المعركة مِن دواعي الهزيمة، وهذا ما تنبأ به عبد الله بن عباس عندما سئل عن حالهم: فقيل استعملوا عبد الله بن مطيع على قريش، وعبد الله بن حنظله على الأنصار. فقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "أميران؟ هلك القوم!" (العقد الفريد لابن عبد ربه) .
ثم تأمل البون الشاسع بيْن الجيشين، جيش كبير منظم له أهدافه وخططه الواضحة، وجيش آخر يرفع جنوده بعض الشعارات الممزوجة بأحلام اليقظة، يدفعهم الحماس وتحركهم العاطفة، دون معرفة وبصيرة بحقائق الواقع، ومآلات الأمور وعواقبها.
ولا بد للقائد أن يكون ملمًا بكل شيء يحدث مِن حوله، ويجيد السياسة والحنكة أثناء المفاوضات إن وجدت، وأثناء التعامل مع الخصم، ولا بد أن يكون شجاعًا مضحيًّا في سبيل ما يؤمن به، ولكننا إذا تأملنا -على سبيل المثال- حال عبد الله بن مطيع نراه على العكس مِن ذلك تمامًا، فلقد فرَّ هاربًا إلى مكة بعد ما أيقن وقوع الهزيمة في أهل المدينة، وترك أتباعه يقتلون على أبواب الدور والمساجد، وهكذا عبْر الأزمنة تجد مَن يحرِّض الناس ويحثهم ويشجعهم على القتال والثبات حتى الموت، ثم تراه يفر هاربًا مِن ساحة القتال، فسبحان الله! فالتاريخ يتكرر كما هو في كثيرٍ مِن الأحداث.
ومِن دواعي الفشل: قلة ما تحت أيديهم مِن الأرزاق، ولو استمر الحصار مدة طويلة لهلك الناس مِن الجوع؛ لأن ما بها مِن الميرة لا يكفيها لسد حاجتها أيامًا، وجٌل طعامها يأتيها مِن التجارة، أو مِن بساتين خارج حدود المدينة، ثم إن زعامة المدينة المنورة لم تكن راضية عن هذه الثورة، فهناك أسرتان كبيرتان مِن المهاجرين عارضتا أهل المدينة، وهما آل الخطاب، وآل هاشم، وعلى رأس آل الخطاب شيخ الصحابة في زمانه وفقيههم: عبد الله بن عمر، ومِن آل هاشم: عبد الله بن العباس، وعلى بن الحسين، ومحمد بن الحنيفة.
وقد حمَّل كثيرٌ مِن المؤرخين والعلماء يزيد بن معاوية مسئولية ما حدث -كما ذكرنا-، بل يٌعتبر هو المسئول الأول؛ لأنه هو الذي أذِن لمسلم بن عقبة بأن يفعل ما فعل، والله المستعان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أبو الفدا: أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن علي بن محمود بن محمد ابن عمر بن شاهنشاه بن أيوب، الملك المؤيد، صاحب حماة (المتوفى 732هـ) المختصر في أخبار البشر، الناشر: المطبعة الحسينية المصرية، الطبعة الأولى، عدد الأجزاء: 4 (1/192).
(2) قد قام الشيباني بدراسة عميقة حول هذا الموضوع، وأثبت ضعف هذه الروايات، انظر أسباب رد الخبرين مِن جهة السند (الشيباني، المرجع نفسه، ص 549).