(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (21) بَقِيَّةٌ في أحكام المُستَأمنين (12)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
وَرَدَ في المَوسُوعة الكُوَيْتِيَّةِ أيضًا (ص 188-191) تحت عنوان "مُسْتَأمن":
"مَا يُرْضَخُ لِلْمُسْتَأْمِنِ مِنْ مَال الْغَنِيمَةِ:
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَوْ بَاشَرَ الْمُسْتَأْمِنُ الْقِتَال بِإِذْنِ الإِمَامِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَهْل الذِّمَّةِ فِي اسْتِحْقَاقِ الرَّضْخِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يُرْضَخُ لِلْمُسْتَأْمِنِ كَمَا لاَ يُسْهَمُ لِلذِّمِّيِّ" (انتهى) .
"مَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُسْتَأْمِنُ مِنَ الْكَنْزِ وَالْمَعْدِنِ:
إِذَا وَجَدَ الْمُسْتَأْمِنُ فِي دَارِنَا كَنْزًا أَوْ مَعْدِنًا، فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ كُلُّهُ؛ لأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى الْغَنِيمَةِ، وَلاَ حَقَّ لأَهْل الْحَرْبِ فِي غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ رَضْخًا وَلاَ سَهْمًا.
وَإِنْ عَمِل فِي الْمَعْدِنِ بِإِذْنِ الإِمَامِ، أُخِذَ مِنْهُ الْخُمُسَ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَهُ؛ لأَنَّ الإِمَامَ شَرَطَ لَهُ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ، فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمَا شَرَطَ، كَمَا لَوِ اسْتَعَانَ بِهِمْ فِي قِتَال أَهْل الْحَرْبِ فَرَضَخَ لَهُمْ، فَهَذَا مِثْلُهُ" (انتهى) .
( قلتُ: وفي معنى هذا الكلام، شركات البترول والتنقيب عن المعادن العالمية التي تعمل في بلاد المسلمين بإذن الحكومات فيُلتَزَم لها بما تم الاتفاق عليه، وهذا يُبنى على المصلحة -كما هو واضح-؛ لأن الإمام إنما يشرط ذلك للمصلحة؛ فلابد أن تُرَاعى في ذلك مصلحة المسلمين، ومصلحة البلاد بأعلى ما يمكن مِن شروط).
"تَحَوُّل الْمُسْتَأْمِنِ إِلَى ذِمِّيٍّ:
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُسْتَأْمِنَ يَصِيرُ ذِمِّيًّا: بِأَنْ يَمْكُثَ الْمُدَّةَ الْمَضْرُوبَةَ لَهُ، أَوْ بِأَنْ يَشْتَرِيَ أَرْضَ خَرَاجٍ وَوُضِعَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ، أَوْ بِأَنْ تَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةُ الْمُسْتَأْمِنَةُ مُسْلِمًا، أَوْ ذِمِّيًّا؛ لأَنَّهَا الْتَزَمَتِ الْبَقَاءَ تَبَعًا لِلزَّوْجِ" (انتهى) .
"اسْتِئْمَانُ الْمُسْلِمِ:
إِذَا دَخَل الْمُسْلِمُ دَارَ الْكُفَّارِ بِأَمَانٍ صَارَ مُسْتَأْمَنًا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى اسْتِئْمَانِهِ أَحْكَامٌ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
أ- حُرْمَةُ خِيَانَةِ الْكُفَّارِ وَالْغَدْرِ بِهِمْ:
نَصَّ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ تَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ الَّذِي دَخَل دَارَ الْكُفَّارِ بِأَمَانٍ خِيَانَتُهُمْ؛ فَلاَ يَحِل لَهُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَدِمَائِهِمْ وَفُرُوجِهِمْ؛ لِقَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ؛ وَلأَنَّهُ بِالاِسْتِئْمَانِ ضَمِنَ لَهُمْ أَنْ لاَ يَتَعَرَّضَ بِهِمْ، وَإِنَّمَا أَعْطَوْهُ الأَمَانَ بِشَرْطِ عَدَمِ خِيَانَتِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَذْكُورًا فِي اللَّفْظِ، فَهُوَ مَعْلُومٌ فِي الْمَعْنَى، وَلاَ يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ.
وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ حَالَةَ مَا إِذَا غَدَرَ بِالْمُسْلِمِ مَلِكُهُمْ، فَأَخَذَ أَمْوَالَهُ أَوْ حَبَسَهُ، أَوْ فَعَل غَيْرُ الْمَلِكِ ذَلِكَ بِعِلْمِهِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ؛ لأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ نَقَضُوا الْعَهْدَ.
فَإِنْ خَانَ الْمُسْلِمُ الْمُسْتَأْمَنُ الْكُفَّارَ، أَوْ سَرَقَ مِنْهُمْ، أَوِ اقْتَرَضَ مِنْهُمْ شَيْئًا، فَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ مَا أَخَذَ إِلَى أَرْبَابِهِ؛ فَإِنْ جَاءَ أَرْبَابُهُ إِلَى دَارِ الإِسْلاَمِ بِأَمَانٍ أَوْ إِيمَانٍ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وَإِلاَّ بَعَثَ بِهِ إِلَيْهِمْ؛ لأَنَّهُ أَخَذَهُ عَلَى وَجْهٍ حَرُمَ عَلَيْهِ أَخْذُهُ، فَلَزِمَهُ رَدُّ مَا أَخَذَ، كَمَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْ مَال مُسْلِمٍ؛ وَلأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّعَرُّضُ لَهُمْ إِذَا دَخَل بِأَمَانٍ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا دَخَل الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ وَأَخْرَجَ إِلَيْنَا شَيْئًا مَلَكَهُ مِلْكًا حَرَامًا -لأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْغَدْرِ-؛ فَيُتَصَدَّقُ بِهِ وُجُوبًا، وَلَوْ لَمْ يُخْرِجْهُ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ" (انتهى) .
( قلتُ: هذا الموضوع في غاية الأهمية؛ إذ أن دخول المسلمين إلى بلاد الكفار أصبح اليوم متكررًا جدًّا، وعامة مَن يدخل بلادهم، يدخل بجوازات سفرٍ مِن بلاده التي تربطها ببلاد الكفار معاهدات ومواثيق، أو يدخل بتأشيرة، أو كلا الأمرين معًا؛ وهذا يجعله بالتأكيد في حكم المستأمن؛ يحرم عليه الغدر والخيانة، ولا يبيح له شيئًا مِن أموالهم ولا دمائهم ولا فروجهم؛ خلافًا للعمليات الإجرامية -التي تقع على سبيل نقض العهد- ممَن دخل بلاد الكفار بأمانٍ ثم يغدر بهم ويقتلهم، ويفجِّر في أماكن مختلفةٍ مِن مجتمعاتهم، فيترتب على ذلك مِن المحرمات الشرعية -مِن الغدر والخيانة- ثم المَضَرَّة على المسلمين -في بلادهم، وفي بلاد الكفار على الأقليات الإسلامية التي تتضرر أعظم الضرر- ثم مِن تشويه صورة الإسلام، وكل هذا نابعٌ مِن الغدر والخيانة التي وقعتْ ممَن دخل بلادهم بأمان، ولا يُلْتَفَتُ إلى القول بأن وجود التأشيرة وجواز السفر ليس بأمانٍ؛ فإن هذا كلام في غاية الفساد، كما هو معلوم مِن أن الذي يحصل على تأشيرةٍ لبلاد الكفار لا بُدَّ وأن يكون قد وَقَّعَ على الشروط المؤكِّدة على عدم الاعتداء عليهم، بل لو لم يوقِّع لفظًا -ولم يكن مذكورًا في اللفظ- فهو معلوم في المعنى كما نص العلماء، ولا يصلح في ديننا الغدر).
"ب- مُعَامَلاَتُ الْمُسْتَأْمَنِ الْمُسْلِمِ الْمَالِيَّةِ: