(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (21) بَقِيَّةٌ في أحكام المُستَأمنين (12)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
نَصَّ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَدَانَ حَرْبِيٌّ الْمُسْلِمَ الْمُسْتَأْمَنَ دَيْنًا بِبَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ، أَوْ أَدَانَ هُوَ حَرْبِيًّا، أَوْ غَصَبَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ مَالاً، ثُمَّ خَرَجَ الْمُسْلِمُ إِلَيْنَا وَاسْتَأْمَنَ الْحَرْبِيُّ فَخَرَجَ إِلَيْنَا مُسْتَأْمَنًا، لَمْ يُقْضَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ.
أَمَا الإِدَانَةُ: فَلأَنَّ الْقَضَاءَ يَعْتَمِدُ الْوِلاَيَةَ، وَلاَ وِلاَيَةَ وَقْتَ الإِدَانَةِ أَصْلاً عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، إِذْ لاَ قُدْرَةَ لِلْقَاضِي فِيهِ عَلَى مَنْ هُوَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلاَ وَقْتَ الْقَضَاءِ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ، لأَنَّهُ مَا الْتَزَمَ أَحْكَامَ الإِسْلاَمِ فِيمَا مَضَى مِنْ أَفْعَالِهِ وَإِنَّمَا الْتَزَمَهُ فِيمَا يُسْتَقْبَل.
وَأَمَّا أَنَّهُ لاَ يَقْضِي بِالْغَصْبِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فَلأَنَّ الْمَال الْمَغْصُوبَ صَارَ مِلْكًا لِلَّذِي غَصَبَهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْغَاصِبُ كَافِرًا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ مُسْلِمًا مُسْتَأْمَنًا وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ، لِمُصَادَفَتِهِ مَالاً مُبَاحًا غَيْرَ مَعْصُومٍ، فَصَارَ كَالإِدَانَةِ.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ: يَقْضِي بِالدِّينِ عَلَى الْمُسْلِمِ دُونَ الْغَصْبِ لأَنَّهُ الْتَزَمَ أَحْكَامَ الإِسْلاَمِ حَيْثُ كَانَ.
قَال الْحَصْكَفِيُّ نَقْلاً عَنِ الزَّيْلَعِيِّ، وَالْكَمَال ابْنِ الْهُمَامِ: وَيُفْتَى بِرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَالدَّيْنِ دِيَانَةً لاَ قَضَاءً، لأَنَّهُ غَدْرٌ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يَجِبُ رَدُّ مَا أَخَذَ إِلَى أَرْبَابِهِ" (انتهى) .
( قلتُ: لا شَكَّ أن الصواب هو قول الشافعية والحنابلة، والمُرَجَّحُ عند الحنفية ديانةً، وهو: وجوب الرد؛ لأنه غَدْرٌ، وهذا أمر واضح جَلِيٌّ في عقد الأمان؛ فلا يَحِلُّ به مال الكفار، والله أعلى وأعلم).
"ج- قِتَال الْمُسْلِمِ الْمُسْتَأْمِنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ:
نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَغَارَ قَوْمٌ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ عَلَى أَهْل الدَّارِ الَّتِي فِيهَا الْمُسْلِمُ الْمُسْتَأْمَنُ، لاَ يَحِل لَهُ قِتَال هَؤُلاَءِ الْكُفَّارِ إِلاَّ إِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ؛ لأَنَّ الْقِتَال لَمَّا كَانَ تَعْرِيضًا لِنَفْسِهِ عَلَى الْهَلاَكِ لاَ يَحِل إِلاَّ لِذَلِكَ، أَوْ لإِعْلاَءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَهُوَ إِذَا لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ، لَيْسَ قِتَالُهُ لِهَؤُلاَءِ إِلاَّ إِعْلاَءً لِلْكُفْرِ" (انتهى) .
( قلتُ: "تنبيهٌ في غاية الأهمية: وهو أن المسلم المقيم في بلاد الكفار -على أيِّ حالٍ- لا يحل أن يكون جنديًّا لهم، معينًا لهم على قتالٍ -ولو على قتالِ كفار آخرين-؛ وبذلك تعرف بطلان فتاوى مَن أفتى المسلمين بجواز المشاركة في جيوش البلاد التي يقيمون فيها مِن بلاد الكفار في قتالهم ضد غيرها مِن البلاد، فضلًا عن أن يكون ذلك قتالًا ضد بلاد المسلمين لغرض احتلالها وقتل أهلها ونهب ثرواتها؛ بل هذا في الحقيقة مناقضٌ لأصل الدين، وذلك لقول الله -عَزَّ وجَلَّ-: ( فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا . وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ) (النساء:88-89 )").
"وَلَوْ أَغَارَ أَهْل الْحَرْبِ الَّذِينَ فِيهِمْ مُسْلِمُونَ مُسْتَأْمَنُونَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَسَرُوا ذَرَارِيَّهُمْ، فَمَرُّوا بِهِمْ عَلَى أُولَئِكَ الْمُسْتَأْمَنِينَ، وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْقُضُوا عُهُودَهُمْ، وَيُقَاتِلُوهُمْ إِذَا كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ؛ لأَنَّهُمْ لاَ يَمْلِكُونَ رِقَابَهُمْ؛ فَتَقْرِيرُهُمْ فِي أَيْدِيهِمْ تَقْرِيرٌ عَلَى الظُّلْمِ، وَلَمْ يَضْمَنِ الْمُسْلِمُونَ الْمُسْتَأْمَنُونَ ذَلِك لَهُمْ، بِخِلاَفِ الأَمْوَال؛ لأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا بِالإِحْرَازِ وَقَدْ ضَمِنُوا لَهُمْ أَنْ لاَ يَتَعَرَّضُوا لأَمْوَالِهِمْ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَأْخُوذُ ذَرَارِيَّ الْخَوَارِجِ؛ لأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ" (انتهى) .
( قلتُ: تَنَبَّهْ إلى قولِ أهل العلم: "وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْقُضُوا عُهُودَهُمْ، وَيُقَاتِلُوهُمْ إِذَا كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ؛ لأَنَّهُمْ لاَ يَمْلِكُونَ رِقَابَهُمْ؛ فَتَقْرِيرُهُمْ فِي أَيْدِيهِمْ تَقْرِيرٌ عَلَى الظُّلْمِ"، وهذا يدلنا على أنهم إذا عَجَزوا عن نقض العهود والقتال فهم معذورون لعجزهم، وتتضمن أنه لا يجوز لهم أن يُقاتِلوهم وهم ما زالوا على عَهْدِهم؛ بل لابد أن يَنْبذوا إلى الكفار عَهدَهم، ويعلنوا انتهاء الأمان لهم؛ فإذا فعلوا ذلك -عند ذلك- يَحِلُّ لهم مُناصَرَةُ إِخوانِهم المسلمين، وذلك مُوافقٌ لقول الله -عَزَّ وجَلَّ- في سورة الأنفال: ( وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ) (الأنفال:72) .