(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (21) بَقِيَّةٌ في أحكام المُستَأمنين (12)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
تنبيهٌ ثانٍ: قوله عن ذَرَارِيِّ الْخَوَارِجِ مِن "أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ": هذا قولُ جماهيرِ أهلِ العلم، في أن الخوارجَ -وإن كانوا مِن شر أهل البدع، ووَرَدَ فيهم من الذَمِّ، وأنهم "كِلابُ أَهْلِ النارِ"، وأنهم "يَمْرُقون من الدِّين كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيَّةِ"- فإن جمهورَ أهلِ العلمِ على أَنَّهُم ليسوا بكفارٍ، وأما الأحاديثُ الصحيحةُ الوارِدَةُ في أنهم "يَمْرُقون من الدِّين كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيَّةِ" فإنها مَحْمُولَةٌ على مَن كان مُنَافِقًا في الباطن، أو مَن أُقيمَت عليه الحُجَّةُ وثَبتَتْ رِدَّتُه، بعد إقامة الحُجَّةِ، واستيفاءِ الشروط وانتفاء الموانع؛ وأما قَبْلَ ذلك فيُعامَلون كما عَامَلَهُم عَلِيٌّ -رضي الله تعالى عنه- مِن أَنَّهُم مِن أهلِ الإسلام، وإن اسْتَحَقُّوا العُقوبة في الدنيا والآخرة).
"د- قَتَل الْمُسْتَأْمَنُ الْمُسْلِمُ مُسْلِمًا آخَرَ فِي دَارِ الْحَرْبِ:
نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا دَخَل مُسْلِمَانِ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَقَتَل أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، فَعَلَى الْقَاتِل الدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي الْقَتْل الْعَمْدِ، أَمَا الْقِصَاصُ فَيَسْقُطُ لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ إِلاَّ بِمَنَعَةٍ، وَلاَ مَنَعَةَ دُونَ الإِمَامِ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَلاَ فَائِدَةَ فِي الْوُجُوبِ؛ فَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ وَتَجِبُ الدِّيَةُ، وَأَمَّا وُجُوبُهَا فِي مَالِهِ فَلأَنَّ الْعَوَاقِل لاَ تَعْقِل الْعَمْدَ.
وَفِي الْقَتْل الْخَطَأِ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ وَالْكَفَّارَةُ، أَمَا الدِّيَةُ فَلأَنَّ الْعِصْمَةَ الثَّابِتَةَ بِالإِحْرَازِ بِدَارِ الإِسْلاَمِ لاَ تَبْطُل بِعَارِضِ الدُّخُول إِلَى دَارِ الْحَرْبِ بِالأَمَانِ، وَأَمَّا فِي مَالِهِ فَلِتَعَذُّرِ الصِّيَانَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ مَعَ تَبَايُنِ الدَّارَيْنِ، وَأَمَّا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فَلإِطْلاَقِ قَوْلِهِ -تَعَالَى-: ( وَمَنْ قَتَل مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) (النساء:92) ، بِلاَ تَقْيِيدٍ بِدَارِ الإِسْلاَمِ أَوِ الْحَرْبِ.
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ مُسْتَأْمَنِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَقَتَل بَعْضُهُمْ بَعْضًا، أَوْ قَذَفَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، أَوْ زَنَوْا بِغَيْرِ حَرْبِيَّةٍ، فَعَلَيْهِمْ فِي هَذَا كُلِّهِ الْحُكْمُ كَمَا يَكُونُ عَلَيْهِمْ لَوْ فَعَلُوهُ فِي بِلاَدِ الإِسْلاَمِ، وَلاَ تُسْقِطُ دَارُ الْحَرْبِ عَنْهُمْ فَرْضًا كَمَا لاَ تُسْقِطُ عَنْهُمْ صَوْمًا وَلاَ صَلاَةً وَلاَ زَكَاةً، وَالْحُدُودُ فَرْضٌ عَلَيْهِمْ كَمَا هَذِهِ فَرْضٌ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ حَدُّ الزِّنَا لَوْ زَنَى بِحَرْبِيَّةٍ إِذَا ادَّعَى الشُّبْهَةَ" (انتهى) .
( قلتُ: الصحيح مِن هذه الأقوال، هو قول الشافعية في أن دار الحرب لا تُسْقِطُ عنهم فَرْضًا كما لا تُسْقِطُ عنهم صومًا ولا صَلاةً ولا زَكَاةً، والحدود فَرْضٌ عليهم؛ فمن ارتكب جريمةً في دار الكفر يستوجب بها الحَدَّ -إذا تَمَكَّنَ المسلمون منه في دار الإسلام- وَجَبَ إقامةُ الحَدِّ عليه، والله أعلم).
خاتمة:
قد أَطَلْنَا النَّفَسَ في بيانِ أَحْكَامِ المُستَأمنين؛ وذلك لأن رُوحَ الفِقْهِ الإسلاميِّ لا بُدَّ وأن تُؤخَذَ مِن مَجموعِ كلامِ الفُقَهاء، وهي تخالف كثيرًا جِدًّا ما انتشر في وَسَط أبناء الشبيبةِ المُسْلِمَةِ -في كثيرٍ منهم- مِن روح الاستهانة بالدماء -دماءِ الكفار- دون مراعاة للعهود، وذلك لانتشار الانحراف الفكري المَنْهَجِيِّ، وعَدَمِ الرجوع إلى أهل العلم؛ ولذلك اسْتَفَضْنَا في ذِكْرِ النُّقُولِ مِن المذاهب المُخْتَلِفَةِ، لعَلَّ ذلك أن يكون فيه بيانٌ لما يُحتاج إليه مِن المسائل المُتَعَلِّقَةِ بأحكام الأمان في بلاد المسلمين وفي بلاد الكفار، والله المستعان.
ونَسْأَل اللهَ أن يَعْصِمَ دماءَ المُسْلمينَ في كُلِّ مَكَانٍ، وأن يُوَفِّقَهُم للوفاءِ بعُهودِهِم وعَدَمِ الغَدْرِ، وعَدَمِ خِيانَةِ العُهودِ.
ونسألُ اللهَ -عَزَّ وجَلَّ- أن يُوَفِّقَنا جميعًا لما يُحِبُّ ويَرْضَى.