وقفات مع آيات (1) (أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
تمهيد:
- التنبيه على تسلسل موضوع وقفات مع آيات: حيث إن ذلك فيه نوع مِن تدبر آيات الكتاب العزيز، والانتفاع بما جاء فيها، قال الله -تعالى-: ( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) (ص:29) .
- آية اليوم: قوله -تعالى-: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) (آل عمران:144) .
المعنى الإجمالي للآية:
- وما محمد إلا رسول مِن جنس الرسل الذين مِن قبْله، يبلغ رسالات ربه؛ أفإن مات بانقضاء أجله، أو قُتل كما أشاعه الأعداء يوم أُحد، رجعتم عن دينكم، وتركتم ما جاء به نبيكم، ومَن يرجع منكم عن دينه فلن يضر الله شيئًا، إنما يضر نفسه ضررًا عظيمًا، أما مَن يَثبت على الإيمان وشكر ربه على نعمة الإسلام، فإن الله يجزيه حسن الجزاء.
سبب نزول الآية:
- قال ابن كثير -رحمه الله- في التفسير: "لما انهزم مَن انهزم مِن المسلمين يوم أُحد، وقُتل مَن قتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمدًا قد قُتل. ورجع ابن قميئة إلى المشركين فقال لهم: قتلتُ محمدًا، وإنما كان قد ضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فشجه في رأسه، فوقع ذلك في قلوب كثيرٍ مِن الناس، واعتقدوا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد قُتِل، وجوزوا عليه ذلك، كما قد قصَّ الله عن كثيرٍ مِن الأنبياء -عليهم السلام-، فحصل وهن وضعف وتأخر عن القتال، ففي ذلك أنزل الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ )".
الوقفة الأولى: البقاء للمنهج:
- العمل لدين الله لا يتوقف ولا يغيب بتوقف أو غياب الرموز ولو كانوا أعظم الناس قدرًا: ذكر أصحاب السير: "أن أنس بن النضر مرَّ بنفرٍ مِن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم أُحد، وقد ألقوا ما بأيديهم، فقال: ما تنتظرون؟ فقالوا: قُتِل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: ما تصنعون بالحياة بعده؟! قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" (زاد المعاد 2/ 96) .
ونادى ثابت بن الدحداج يوم أُحد في قومه فقال: "يا معشر الأنصار، إن كان محمد قد قُتل، فإن الله لا يموت، قاتلوا على دينكم، فإن الله مظفركم وناصركم" (السيرة الحلبية 2/ 22) ، "ومرَّ رجلٌ مِن المهاجرين برجلٍ مِن الأنصار -وهو يتشحط في دمه- فقال: يا فلان: أشعرت أن محمدًا قُتِل؟ فقال الأنصاري: إن كان قد قتل فقد بَلّغ، فقاتلوا عن دينكم" (زاد المعاد 2/ 96) .
- لا تقل ذهب الرموز وهم أفضل منا، وليس في الإمكان أحسن مما كان! لا، بل قد يجعل الله البركة فيمَن خلفهم، فيحققون ما لم يحققه السابقون: خالد بن الوليد يوم مؤتة يخلف القادة الثلاثة، ويأتي بأفضل مِن عملهم حتى قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ حَتَّى أَخَذَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) (رواه البخاري) .
- أثر نزول الآية بعد ذلك على الأتباع الشاكرين الثابتين: روى البخاري عن عائشة -رضي الله عنها- قالتْ: أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حَتَّى نَزَلَ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ، فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَتَيَمَّمَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ مُسَجًّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ، فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ بَكَى، فَقَالَ: "بِأَبِي أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لاَ يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ، أَمَّا المَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا".
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- خَرَجَ، وَعُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَقَالَ: "اجْلِسْ"، فَأَبَى، فَقَالَ: "اجْلِسْ"، فَأَبَى، فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، فَمَالَ إِلَيْهِ النَّاسُ، وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَقَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَإِنَّ مُحَمَّدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ) (آل عمران:144) ، إِلَى ( الشَّاكِرِينَ ) (آل عمران:144) ، "وَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهَا حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ، فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إِلَّا يَتْلُوهَا".
الوقفة الثانية: خطورة التعلق بالدنيا:
- الهزيمة عاقبة انشغال بعض الرماة بأمرٍ مِن الدنيا (الغنائم): قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "لما هزم الله المشركين في أُحد، قال الرماة: أدركوا الناس ونبي الله، لا يسبقوكم إلى الغنائم، فتكون لهم دونكم، وقال بعضهم: لا نريم موضعنا حتى يأذن لنا النبي -صلى الله عليه وسلم-، فنزلت: ( مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ) (آل عمران:152) (تفسير الطبري) .