شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وقفات مع آيات (1) (أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

- كثرة التحذير مِن فتنة الدنيا في الكتاب والسُّنة: قال -تعالى-: ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ) (آل عمران:14) ، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ ) (متفق عليه) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّك غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ ) (رواه البخاري) .

- حَمَلة الدين في حاجة إلى التفتيش الدائم في خبايا نفوسهم، واقتلاع حب الدنيا منها: قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "ما كنتُ أرى أحدًا مِن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يريد الدنيا حتى نزل فينا يوم أُحد: ( مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ )". (يحسن بالخطيب أن يقف مع قوله -تعالى- للصحابة -رضي الله عنهم-: ( مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ) مِن باب: فماذا يُقال لنا؟!).

الوقفة الثالثة: حكمة الابتلاء للمؤمنين:

تنبيه مهم: أهمية التنبيه على أن الآيات المستعملة في الاستدلال في الوقفات كلها مما أنزل قبْل أو بعد الآية وتعلق بها، لما له مِن الأثر الإيماني على القلوب، ويزيد مِن التدبر لعلاقة الآيات ببعضها.

- الابتلاء سنة الله في أوليائه حيث إعدادهم لتحمل الصعاب: قال الله -تعالى-: ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) (آل عمران:142) .

- فيدالون مرة، ويدال عليهم أخرى، لكن تكون لهم العاقبة: قال الله -تعالى-: ( وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) (آل عمران:139-140) .

وفي حديث أبي سفيان مع هرقل قال له هرقل: "وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَاتَلْتُمُوهُ، فَتَكُونُ الحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالًا يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ"، قال: "وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العَاقِبَةُ" (متفق عليه) .

- لو نصرهم الله دائمًا؛ لدخل فيهم مَن ليس منهم، ولم يتميز الصادق مِن غيره: قال الله -تعالى-: ( مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) (آل عمران:179) .

- لو نصرهم الله دائمًا؛ لطغت نفوسهم، وشمخت وارتفعت، فلو بسط لهم النصر لكانوا في الحال التي يكونون فيها لو بسط لهم الرزق، فلا يصلحهم إلا السراء والضراء: قال الله -تعالى-: ( وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ) (الشورى:27) ، وقال: ( وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) (آل عمران:140) .

- يمتحن الله أولياءه بالكسرة والهزيمة، ليذلوا وينكسروا ويخضعوا؛ ليطلبوا منه العز والنصر، فإن خلعة النصر إنما تكون مع ولاية الذل والانكسار: قال -تعالى-: ( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ) (آل عمران:123) ، وقال: ( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ) (التوبة:25) .

- إذا أراد الله إهلاك أعدائه ومحقهم، قيَّض لهم مِن الأسباب التي يستوجبون بها الهلاك والمحق، والتي مِن أعظمها بعد كفرهم، تسلطهم على أوليائه وإيذائهم، فيتمحص بذلك أولياؤه مِن ذنوبهم، ويزداد بذلك أعداؤه مِن أسباب محقهم وهلاكهم: قال -تعالى-: ( وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ . وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ) (آل عمران:139-141) .

- وآخر ذلك أنه هيَّأ -سبحانه- لأوليائه دار كرامته التي لم تبلغها أعمالهم، ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاء والمحن: قال -تعالى-: ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) (البقرة:155-157) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ، لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ، ابْتَلَاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ، أَوْ فِي مَالِهِ، أَوْ فِي وَلَدِهِ ) (رواه أبو داوود، وصححه الألباني) .

خاتمة:

الصفحة السابقة الصفحة التالية