مذبحة "الساجدين" بيْن مَن يصر على "شيطنة السَّلفيين!" ومَن يصر على الاغترار بـ"داعش!"
أحمد الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
مقدمة:
منذ أن ظهرت "داعش" على السطح مدعية أنها خلافة إسلامية راشدة على لسان مَن نصبته خليفة عامًّا للمسلمين، وهي تحترف القتل البشع، وتدمن إراقة الدماء وترويع الآمنين، وقد أجادت "داعش" ببراعة أن تربط بيْن اسمها وبيْن الدمار والفتك والوحشية "وكأنه هدف أصيلٌ مِن أهدافها!".
ولو كان هذا الربط بيْن الدَّم و"داعش" فقط لهان الخطب -حتى لو وصفتْ نفسها بأنها جماعة جهادية-؛ فهناك العديد مِن الجماعات الجهادية المنحرفة التي سبقتها، ولكن الجديد التي أتتْ به "داعش" هو إدعاؤها بأنها: "خلافة إسلامية!"، وبالتالي فقد ربطتْ "داعش" نفسها مِن خلال هذا الزعم بالإسلام ذاته!
السَّلفية المجني عليها:
مِن هنا أصبح أمامك خياران أحلاهما مر؛ فإما أن تتبرأ مِن الخلافة كفكرة وكتطبيق حتى تنجو بنفسك وبالإسلام مِن اتهامه بالوحشية والدموية، وإما أن تعترف أن داعش تمثـِّل التطبيق الصحيح لمفهوم الخلافة، وعلى أي الرأيين كان اختيارك فسيحقق لـ"صناع داعش!" الفائدة التي لم يحلموا بها طوال السنوات السابقة.
أما مَن يستطيع بعلمٍ وحكمةٍ أن يفرِّق بيْن داعش الدموية، والخلافة المهدية، ومَن يمتلك الشجاعة ليقول للناس: "نرفض داعش ونواجهها، لكننا لا نتبرأ مِن ديننا، ولا نتخلى عن منهجنا وتاريخنا"؛ فإن "صناع داعش" يطلقون عليه أبواقهم الداخلية والخارجية، لا لتنتقد داعش أو تواجهها، ولكن لتهجم على هذا الفكر الوسطي المعتدل، فتتهمه زورًا وبهتانًا بأنه الأب الروحي لداعش، وأنه المفرخة الفكرية التي خرجتْ منها داعش، رغم أن "الدعوة السلفية" التي يُزج باسمها مِن خلال هذه الأبواق، لم تواجِه في تاريخها فكرًا كما واجهتْ فكر التكفير والعنف.
فإن أعيتهم الحيلة ليتهموا بها بعض الأحياء مِن العلماء السلفيين المعاصرين -إذ إن بعضهم على قوائم اغتيال داعش نفسها- فلينقبوا في سجلات الوفاة، ولن ينقبوا كثيرًا، فصانعو داعش لا يرهقون أتباعهم في البحث -شفقة عليهم أو معرفة بحقيقة جهلهم- والتهم المعلبة تتجه في الغالب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، والشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-، والعجب أن كلا الشيخين لهما تراث وفير وهائل في مناظرة التكفيريين، والرد على شبهاتهم (وسوف نفرد لموقف كل منهما في التكفير مقالًا مستقلًا -بإذن الله-).
إعلان إفلاس!:
هذه الطريقة التي اختارها هؤلاء تبدو كما لو كانت "إعلان إفلاس!" بكل معاني الكلمة!
إفلاس عن المواجهة الحقيقة والشاملة لأهل التطرف؛ لأن مواجهتهم مكلفة وصعبة، فهم لن يتمكنوا منها فضلًا عن أن يصمدوا أمامها، فيكون الطريق السهل هو إظهار القوة على مَن يتأكدون مِن ردة فعله ويأمنون جانبه، وكأن القائل كان يعنيهم عندما قال: "أسد عليَّ وفي الحروب نعامة!".
فحجم الكتابات والألسنة الحِداد الموجهة مِن هؤلاء الضعفاء لأهل الاعتدال تفوق ما يوجهونه لأهل التطرف الصريح ممَن تجاوزوا منطقة القول إلى الفعل الصريح، والتطبيق الواضح؛ فأين الشجاعة والإقدام مِن أصحاب الأقلام المسنونة، والألسنة الجارحة؟!
كيف تفكر الجماعات التكفيرية؟!
إذا تركنا هذا السفه جانبًا، وأردنا أن نفهم خلفيات الحادث ودوافعه، خاصة وأنه أعنف حادث إرهابي في تاريخ مصر، وأول مرة يتم فيها استهداف المساجد بالأعمال التخريبية والإرهابية، حتى إن القوات الغازية في بعض الأحيان تتجنب قصف المساجد خوفًا مِن تهييج الجماهير!
فإذا أردنا أن نعرف تفسير ذلك؛ فعلينا الرجوع إلى أدبيات تلك الجماعات التكفيرية المتطرفة.
ولأول وهلة ستجد أن هؤلاء الجهال يعتبرون جميع المساجد -عدا مساجدهم- مساجد ضرار، وبالتالي فيجب إحراقها وتدميرها وإزالتها؛ لأنها بمثابة "معابد الجاهلية"، وليست هي بيوت الله التي لها الحرمة والمكانة المعروفة لدى جميع الناس.
هذا الكلام صرَّح به أكثر مِن رمزٍ مِن رموز التكفير، وتم تدوينه في أكثر مِن كتابٍ؛ فلا غرابة في هذا الأمر مِن حيث التنظير، وقد قامتْ جماعة "شكري مصطفى" في مصر بخطف واغتيال وزير الأوقاف وقتها فضيلة الشيخ "الذهبي" -رحمه الله-، ولهم العديد مِن حوادث القتل والاعتداء المسجلة باسمهم.
- "ولفرقة التكفير والهجرة وجهة نظر شاذة في موضوع المساجد، نتجتْ بطبيعة الحال مِن الشذوذ في قضية المسلم مِن الكافر، وبناءً على الخطوات المتبعة للهجرة واعتزال المجتمع، والتي تتمثل في الانسحاب مِن المجتمع الكافر، والذي يعبد آلهة مِن دون الله، ويقترف المعاصي، وذلك بهجرة معابدهم ودور مكائهم وتصديتهم، وبهجرة تقاليدهم وعاداتهم، ثم بهجرة ملابسهم وأزيائهم وشاراتهم، ثم بهجرة دور لهوهم ومنتدياتهم ومؤسساتهم وأماكن تعليمهم، ثم بهجرتهم واعتزالهم، ثم بهجرة وطنهم كله إلى أرض أخرى يُعبد فيها الله وحده، نتبرأ فيها مِن شركهم، ونعلن فيها تمام تبرئنا منهم؛ فنكون بذلك قد اعتزلناهم، وما يعبدون مِن دون الله!
واعتزال المساجد -عندهم- أمرٌ مِن مقومات الإسلام؛ لأن هذه المساجد هي معابد الجاهلية، والذين يصلون فيها قد ارتدوا عن الإسلام؛ وبالتالي الصلاة معهم شهادة لهم بالإيمان وهم كفار، وتقوم وجهة نظرهم على أساس أن كل المساجد القائمة في الأرض منذ عدة قرون مضتْ -وحتى الآن- مساجد ضرار باستثناء أربعة مساجد فقط، هي: "المسجد الحرام بمكة المكرمة - والمسجد الأقصى ببيت المقدس - ومسجد قباء - والمسجد النبوي بالمدينة المنورة"، وبناءً على وجهة نظرهم هذه فإنهم يحكمون بتحريم الصلاة في كل المساجد عدا هذه الأربعة" (انظر شبهات التكفير لعمر عبد العزيز قريشي، ص458) .
- "وفي مرحلة مِن مراحل دعوتهم يحكم بعضهم على الذين يرتادون المساجد بأنهم مسلمون, ثم تغيرت وجهة نظرهم فيتوقفون في أمر المصلين حتى يجروا لهم اختبارًا: هل يكفرون بالطاغوت?!