شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الذكرى السبعين لـ"قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين!"

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 نوفمبر في عام 1947م قرارها بتقسيم فلسطين بيْن العرب واليهود في توصية موجَّهة إلى بريطانيا "صاحبة الانتداب على فلسطين!".

ويُعد هذا القرار "الظالم" مِن الأمم المتحدة امتدادًا لصك الانتداب البريطاني على فلسطين الصادر مِن قبْل مِن "عصبة الأمم" بعد الحرب العالمية الأولى بتواطؤٍ مِن الدول الأوروبية "وفي مقدمتها: إنجلترا" المشروط بتفعيل "وعد بلفور"، بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين؛ حيث يُعد هذا القرار محاولة جديدة لإعطاء الدولة اليهودية المرتقبة الشرعية الدولية، على ما فيه مِن الظلم الفادح، والتعدي الصريح على حقوق الشعب الفلسطيني مِن وجوه.

منها:

- إهدار حق الفلسطينيين في الاستقلال، وتقرير المصير عقب فترة الانتداب البريطاني على فلسطين.

- تقسيم أرض فلسطين دون الرجوع إلى الشعب الفلسطيني صاحب الأرض الأصلي!

- زرع دولة لليهود مصطنعة في فلسطين التي تُعد حلقة الوصل بيْن شطري الجزء العربي الأسيوي والجزء العربي الإفريقي؛ بدعوى تعويض اليهود عما عانوه مِن الاضطهاد "خاصة مِن النازيين"، وكحلٍّ للقضية اليهودية هناك يتم به التخلص مِن اليهود في أوروبا على حساب الشعب الفلسطيني الذي لا علاقة له بجرائم أوروبا والنازية ضد اليهود!

تم هذا مع معرفة أوروبا بالأطماع اليهودية في فلسطين، والتي سبقتْ ظهور النازية في ألمانيا واضطهادها لهم بزمنٍ طويل.

الغرض مِن الانتداب البريطاني على فلسطين:

كان الغرض الظاهري مِن الانتداب البريطاني على فلسطين مِن قِبَل عصبة الأمم -كما هو الانتداب على غيرها مِن الدول العربية في المنطقة بعد إخراجها مِن سيطرة تركيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى- هو وضعها تحت سلطة تقوم بإدارة شئونها لحين بلوغ أهلها القدرة على إدارة شئونهم بأنفسهم، ومِن ثَمَّ إعلان الاستقلال، وهذا ما كان مع العديد مِن الدول العربية التي وُضعت تحت الانتداب البريطاني أو الفرنسي حيث حصلتْ على استقلالها بعد انتهاء الانتداب عليها، وكانت هذه الخطوة هي الخطوة الواجبة على إنجلترا تجاه الشعب الفلسطيني الذي وضع تحت انتدابها بإنهاء الانتداب، وإعلان الاستقلال وإعطاء الشعب الفلسطيني حق تقرير مصيره على أرضه، وهذا ما لم تفعله بريطانيا، بل قامتْ بما يخالفه مخالفة صريحة!

وضع بريطانيا في فلسطين بعد الحرب العالمية الثانية:

أظهرتْ بريطانيا مع بوادر الحرب العالمية الثانية موقفًا تكتيكيًّا يقوم على تهدئة الأوضاع في فلسطين في أعقاب الثورة التي قام بها الفلسطينيون مِن مايو عام 1936م إلى صيف عام 1939م، والتي بلغتْ ذروة النضال الفلسطيني ضد القوات البريطانية واليهود الصهاينة معًا، والتي سقط فيها آلاف الشهداء في مواجهة القمع العسكري البريطاني العنيف؛ فأصدرت بريطانيا الكتاب الأبيض حول القضية الفلسطينية في مايو 1938م، الذي يتضمن سياسة جديدة لبريطانيا تتفهم وجهة النظر الفلسطينية والعربية؛ حيث زعمتْ فيه أنها ليس في سياستها الجديدة تحويل فلسطين إلى دولة يهودية أو تقسيمها بيْن العرب واليهود، وأنها ستنهي انتدابها على فلسطين في عام 1949م، يكون بعدها استقلال فلسطين في ظل سلطة يشارك فيها العرب واليهود بما يحفظ مصالح الجانبين، مع الحد مِن الهجرة اليهودية، والحد مِن التملك اليهودي في فلسطين.

وكان تعداد اليهود وقتها قد بلغ قرابة النصف مليون أي نحو ثُلُث السكان، ورغم ملكية اليهود المحدودة للأراضي وقتها، لكن كيانهم تميز بكونه كيانًا أكثره مِن الأوروبيين، وبكونه متفوقًا تكنولوجيًّا وإداريًّا وتنظيميًّا، وله مؤسساته العسكرية، وله علاقاته الدولية "خاصة مع إنجلترا وأمريكا"، ويتمتع بتفوقٍ مادي بما يصل إليه مِن دعمٍ خارجي متواصل، وبضغط مِن إنجلترا؛ أشار القادة العرب على الزعماء الوطنيين الفلسطينيين بإنهاء الثورة الشعبية والعصيان المدني فاستجابوا لمطلبهم، بينما كان اليهود يواصلون مسعاهم لتحقيق أطماعهم في فلسطين.

وخلال الحرب العالمية الثانية:

- هدأت الثورة العربية تضامنًا مع بريطانيا في حربها ضد النازية.

- زادت الهجرة اليهودية السِّرية، خاصة مع التهويل والمبالغة في تصوير عداء النازية لليهود، والمبالغة في أعداد الضحايا منهم.

- تزايد التعاطف الأمريكي مع المطالب اليهودية بضغطٍ مِن اليهود أصحاب النفوذ المادي والإعلامي هناك، حيث شعر زعماء الحركة الصهيونية بتزايد النفوذ الدولي لأمريكا خلال سنوات الحرب، إلى جانب تزايد الهجرة اليهودية إلى أمريكا خلال تلك الفترة.

- شنَّ اليهود الأعمال الإرهابية ضد القوات البريطانية في فلسطين لحملها على تغيير سياستها، وبلغتْ هذه الأعمال ذروتها بقيام منظمة (أراجون) الصهيونية التي يتزعمها "مناحم بيجن" بنسف فندق (الملك داود) مقر الإدارة المدنية البريطانية في فلسطين، والذي تسبب في مقتل وجرح العشرات مِن الموظفين العرب، ومِن البريطانيين.

عرض القضية على الأمم المتحدة:

خرجتْ بريطانيا مِن الحرب العالمية الثانية مثقلة بالهموم، فرأتْ أن ترفع عن نفسها عبء القضية الفلسطينية، فعمدتْ إلى تحويلها إلى الأمم المتحدة للنظر فيها دون أن تقدم أي مقترحات، وذلك في فبراير 1947م.

وتعد القضية الفلسطينية مِن أوائل القضايا التي عُرضتْ على الأمم المتحدة للنظر فيها.

منظمة الأمم المتحدة:

لا تعد منظمة الأمم المتحدة أول منظمة دولية للمحافظة على السلام والأمن الدوليين إذ سبقها في ذلك تأسيس رابطة (عصبة الأمم) في عام 1920م، والتي ضمَّت 63 دولة، وكان مقرها في جينيف بسويسرا بغرض تسوية المنازعات سلميًّا، ومنع نشوب حروب مدمرة بعد الحرب العالمية الأولى. ولكن نشوب الحرب العالمية الثانية كان بمثابة إعلان فشلها، وإن استمر نشاط بعض المنظمات التابعة لها، مثل: "منظمة العمل الدولية - ومحكمة العدل الدولية - والمنظمات الصحية".

الصفحة التالية