الذكرى السبعين لـ"قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين!"
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
أنشأت منظمة الأمم المتحدة بمقتضى ميثاق صدر في 24 أكتوبر 1945م، ومقرها في مدينة نيويورك الأمريكية، وبلغ عدد أعضائها الآن 194 دولة، وتتكون مِن ستة أجهزة رئيسة، أهمها: "الجمعية العامة - ومجلس الأمن والسكرتارية - ومحكمة العدل الدولية - و15 وكالة - وكثير مِن البرامج والهيئات".
تطورات العرض على الأمم المتحدة:
في 2 أبريل اجتمعت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورة استثنائية مخصصة للقضية الفلسطينية حيث تقرر تشكيل لجنة مِن 11 دولة مِن الأعضاء برئاسة السويد لدراسة القضية، وانتقلت اللجنة إلى فلسطين للاستماع عن قرب لطرفي النزاع، وقد أوصت اللجنة بتقسيم فلسطين وإقامة دولتين فيها: "إحداهما عربية، وأخرى يهوديةَ"، ووضع القدس تحت الوصاية، على أن ينتهي الانتداب البريطاني بعد فترةٍ انتقالية، واقترحت اللجنة قبول هجرة 110 آلاف يهودي إلى الدولة اليهودية المقترحة، وانتخاب خمس دول للإشراف على تنفيذ هذا التقسيم، وظاهر مِن هذه التوصيات ميل اللجنة إلى الجانب الصهيوني، وربطها بيْن مشكلة اليهود في أوروبا والقضية الفلسطينية.
وفي نوفمبر1947م طُرِح مشروع التقسيم للتصويت؛ فنال الموافقة بضغطٍ مِن أمريكا؛ حيث أيد المشروع 33 دولة، ورفضته 10 دول، هي: "الدول العربية، والأسيوية، وكوبا، واليونان"، وامتنعتْ عشر دول عن التصويت، فصدر القرار في 29 نوفمبر 1947م، بعد أن نال الأغلبية المطلوبة.
تفاصيل التقسيم:
لم يكن الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني قاصرًا على مبدأ التقسيم، بل امتد هذا الظلم ليشمل تفاصيل توزيع أرض فلسطين بيْن العرب واليهود كمًّا وكيفًا!
فطبقًا للقرار جاء التقسيم كالتالي:
- تضم الدولة العربية 42.88% مِن مساحة فلسطين، مِن فلسطين الوسطى والشمالية حتى حدود لبنان، بالإضافة إلى غزة، وهي بذلك محرومة مِن ميناء (حيفا) على البحر الأبيض المتوسط، ومفصولة جغرافيًّا عن سوريا، والبحر الأحمر.
- أما الدولة اليهودية فتضم 56.47% مِن مساحة فلسطين، يدخل فيها معظم الشاطئ الفلسطيني على البحر الأبيض المتوسط مِن عكا إلى مشارف غزة؛ بالإضافة إلى: "صفد، وطبريا، وبيسان" على طول الحدود مع سوريا، ومِن صحراء النقب إلى خليج العقبة، وهي مناطق مزروعة بالحمضيات يمتلك معظمها فلسطينيون.
وهذه المساحة مِن الأرض فيها 407 ألف فلسطيني إلى جانب 90 ألف فلسطيني بدوي، بمجموع 497 ألف عربي، بينما عدد اليهود فيها 498 ألف يهودي، أي أن نصف سكانها يهود، والنصف الآخر عرب، وهؤلاء العرب سيصيرون غرباءً مهددين في هذه الدولة اليهودية.
ويتضح مدى الظلم الواقع على الفلسطينيين في هذا التقسيم إذا علمنا أن اليهود عند صدور القرار كانوا لا يملكون إلا 5.6% مِن أراضي فلسطين، ولا يزيد نصيبهم مِن الأرض القابلة للزراعة عن 12%، أما الفلسطينيون فكانوا يشكلون 2/ 3 السكان، ومعهم أكثر مِن 94% مِن مساحة فلسطين، وتحت أيديهم 88% مِن الأرض القابلة للزراعة.
- أما القدس: فجعلها القرار تحت نظام دولي؛ لئلا توضع مع طائفةٍ واحدةٍ فيؤثر ذلك على الحرية الدينية لباقي الطوائف؛ حيث إن بالقدس مقدساتٍ للمسلمين والنصارى واليهود، مع أن القدس طوال حكم المسلمين شهدت الحرية الدينية لغير المسلمين وبلا تضييق.
كيفية صدور القرار:
لقد كانت بداية المناقشات في الجمعية العامة للأمم المتحدة تعطي انطباعًا بأن القرار لن يحصل على الأغلبية المطلوبة لتمريره، ولكن الضغوط الأمريكية على العديد مِن الأعضاء جعلتها توافق على القرار.
وقد كتب وكيل الخارجية الأمريكية عن ذلك يقول: "كان على الموظفين الأمريكيين بأمرٍ مباشرٍ مِن الرئيس -يعني رئيس أمريكا وقتها وهو ترومان- أن يمارسوا ضغوطًا مباشرة وغير مباشرة؛ لضمان الحصول على الأغلبية اللازمة للتصويت النهائي!" (مِن كتاب: لسنا بحاجة أن نفشل، تأليف سمنر ويلز، ص 63) ، وكانت آخر الأصوات الحاسمة، والتي كانت تعارض التقسيم ثم قبلته نتيجة الضغط الأمريكي: أصوات هايتي، وليبيريا، والفليبين.
وقد ترتب على صدور قرار التقسيم تطورات خطيرة على القضية الفلسطينية، منها:
- مسارعة مندوب بريطانيا في الأمم المتحدة بإعلان قبول حكومته لقرار التقسيم، ووعد بذل كل الجهود الممكنة لتنفيذه؛ رغم أن القرار له صفة التوصية، وليس بقرار واجب التنفيذ؛ لصدوره مِن الجمعية العامة، لا مِن مجلس الأمن!
- رفض الفلسطينيون -ورفضتْ الدول العربية والإسلامية- قرار التقسيم المجحف؛ إذ منح اليهود الذين جاءوا مِن شتى بقاع الأرض ما يفوق بكثيرٍ ما تحت أيديهم على حساب الشعب الفلسطيني صاحب الأرض! والذي يمتلك بالفعل وقت صدور القرار أكثر هذه الأرض، ويمثـِّل نحو الثلثين مِن السكان وقت صدور القرار.
- في الجانب الآخر توقع اليهود أن هناك حربًا قادمة لا محالة في فلسطين مع هذه التطورات، فأخذوا يعدون العدة لذلك، ويعملون على نشر الفزع والذعر في نفوس الفلسطينيين، وإجبارهم على ترك أراضيهم وقراهم ومدنهم بالقوة.
- وقد شهدتْ فلسطين عقب الصدور القرار، سلسلة مِن الهجمات الإرهابية مِن العصابات الصهيونية على الفلسطينيين المدنيين العُزل "خاصة في المناطق المقترحة لإقامة الدولة اليهودية فيها".
- قام اليهود بدعوة الشباب اليهودي للخدمة العسكرية، حتى بلغ مجموع القوات العسكرية اليهودية نحو 70 ألف يهودي مدرب على السلاح، وفي مقدمتهم الميليشيات المسلحة مِن الهاجانا وآراجون، وقد جُهزت هذه القوات بكمياتٍ كبيرةٍ مِن السلاح والذخائر التي حصل اليهود على جزءٍ كبيرٍ منها مِن الحملات العسكرية البريطانية في المنطقة، والتي كانت تتعاون مع اليهود، حيث قام اليهود بتجميعها في مخابئ مبنية لهذا الغرض في المستوطنات اليهودية.