شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وقفات مع آيات (4) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

- التذكير بفضل مدارسة القرآن وتدبر آياته: ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) (ص:29) .

- ذكر آية موعظة اليوم، والإشارة إلى أن مِن دروسها: "خطر التسرع في الحكم على الناس بالكفر": قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ) (النساء:94) .

- المعنى الإجمالي للآية: قال المفسِّرون: "يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا بشرعه, إذا خرجتم في الأرض مجاهدين في سبيل الله, فكونوا على بينة مما تأتون وتتركون, ولا تنفوا الإيمان عمن بدا منه شيء مِن علامات الإسلام ولم يقاتلكم, لاحتمال أن يكون مؤمنًا يخفي إيمانه, طالبين بذلك متاع الحياة الدنيا، والله -تعالى- عنده مِن الفضل والعطاء ما يغنيكم به, كذلك كنتم في بدء الإسلام تخفون إيمانكم عن قومكم مِن المشركين فمَنَّ الله عليكم وأعزكم بالإيمان والقوة, فكونوا على بينة ومعرفة في أموركم, إن الله -تعالى- عليم بكل أعمالكم, مطلع على دقائق أموركم، وسيجازيكم عليها.

- سبب نزول الآية: قال السيوطي في لباب النقول: روى البخاري والترمذي والحاكم وغيرهم عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "كَانَ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ فَلَحِقَهُ المُسْلِمُونَ، فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا غُنَيْمَتَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا... )"، وأخرج البزار مِن وجهٍ آخر عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، قال: "بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَرِيَّةً, فِيهَا الْمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ, فَلَمَّا أَتَوُا الْقَوْمَ, وَجَدُوهُمْ قَدْ تَفَرَّقُوا, وَبَقَيَ رَجُلٌ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ, لَمْ يَبْرَحْ, فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ, فَأَهْوَى إِلَيْهِ الْمِقْدَادُ فَقَتَلَهُ, فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: أَقَتَلْتَ رَجُلاً يَشْهَدُ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ؟! وَاللَّهِ, لأَذْكُرَنَّ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّ رَجُلاً شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ, فَقَتَلَهُ الْمِقْدَادُ؟ فَقَالَ: ادْعُ لِيَ الْمِقْدَادَ، يَا مِقْدَادُ, أَقَتَلْتَ رَجُلاً يَقُولُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ؟ فَكَيْفَ بِكَ بِلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ غَدًا؟، وأنزل الله هذه الآية: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا... )".

وقفات مع الآية:

الوقفة الأولى: وجوب التثبت والتحقق قبْل الحكم:

- لا تحكم على شيءٍ إلا بعد تصوره كاملًا: قال الله -تعالى-: ( وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ) (الإسراء:36) .

- وجوب التبين والتثبت تجنبًا للندم في الدنيا والآخرة: قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (الحجرات:6) .

- النبي -صلى الله عليه وسلم- يتثبت مع يهود بني قريظة الذين أعلنوا الخيانة, فكيف بمَن أظهر لنا السلامة؟: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: "انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء أم لا؟" (السيرة النبوية لابن هشام) .

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ "التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالزَّنْدَقَةِ": وَالَّذِي يَنْبَغِي الِاحْتِرَازُ عَنِ التَّكْفِيرِ مَا وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا؛ فَإِنَّ اسْتِبَاحَةَ دِمَاءِ الْمُصَلِّينَ الْمُقِرِّينَ بِالتَّوْحِيدِ خَطَأٌ، وَالْخَطَأُ فِي تَرْكِ أَلْفِ كَافِرٍ فِي الْحَيَاةِ أَهْوَنُ مِنَ الْخَطَأ فِي سَفْكِ دَمٍ لِمُسْلِمٍ وَاحِدٍ!" (فتح الباري) .

- وجوب التجرد مِن الآثار السلبية والشهوات الدنيوية عند الحكم على الناس (المال - الجاه - الشهرة - السلطان - الحسد - ... ): قال الله -سبحانه وتعالى-: ( تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ).

الوقفة الثانية: إثبات الإسلام لكل مَن نطق بالشهادتين أو ما يقوم مقامهما:

- الشاهد مِن الآية: "وما جاء في نزولها: إلقاء الرجل السلام، وهي تحية الإسلام أو نطقه الشهادة على الرواية الثانية".

- يثبت عقد الإسلام بالأمور التالية:

أولًا: نطق الشهادتين:

الصفحة التالية