تعريف الإرهابي!
الشيخ علاء بكر • قاموس التصحيح السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمما ينبغي التنبُّه له أنه إلى اليوم لم يتم الاتفاق على تحديد مَن يُوصف بكونه إرهابيًّا!
وما وُضع مِن تعريفاتٍ للإرهاب لم يبلغ تعريف منها الحد المتفق عليه مِن الجميع؛ إذ أن هناك صورًا متفق على أنها مِن الإرهاب، وأخرى مختلف حولها اختلافًا شديدًا؛ لذا لا نذهب بعيدًا إن قلنا إن التعريفات الموضوعة حتى الآن هي تعريفات فضفاضة، نظرًا للاختلاف والتفاوت الكبير في وصف الإرهاب بيْن الدول؛ إذ هناك مصالح سياسية تجعل كلَّ مَن يضع تعريفًا للإرهاب يسعى إلى إدخال خصومه فيه!
وهذه التعريفات الفضفاضة للإرهاب تشكِّل خطورة بالغة:
- إذ تعطي الحق لمَن شاء أن يُدخل -مِن خلال فهمه هو للتعريف- مَن شاء فيه؛ فيُلحقه بالإرهابيين ويعامله على ذلك، وقد يكون ممَن يقاومون مستعمرًا، أو يدافعون عن وطن أو مستضعفين؛ إذ أن التعريف الفضفاض يسمح للبعض أن يُفَصِّلَه على أي أحد، فرد أو جهة أو جماعة أو حزب أو صاحب مذهب؛ لكونه لا يروق لا سياسيًّا أو أيديولوجيًّا، حتى ولو لم يستعمل العنف ضد أحد!
ولهذا نرى دولة تصنِّف حزبًا -أو جماعة- على أنه إرهابي، ودولة أخرى لا ترى ذلك!
- إن العديد مِن الأنظمة التي لها نزعة استبدادية أو تمُر بعدم استقرار سياسي لا ترى غضاضة في وصف معارضيها بالإرهاب -كما في تركيا مثلًا- لتعطي نفسها الحق في فرض حالة الطوارئ أو اعتقال المخالفين والزجّ بهم في السجون ومحاكمتهم، بل وربما تصفيتهم جسديًّا!
- إن التحالفات الدولية التي أعدت أو تعد لمحاربة الإرهاب ستواجِه هي الأخرى نفس الإشكالية حين تختلف دول هذا التحالف في بعض الصور: هل هي من الإرهاب أم لا؟ وستجد الدول الصغيرة المتحالفة مع الدول الكبرى ضد الإرهاب نفسها، وقد فَرضتْ عليها هذه الدول الكبرى فهمها للإرهاب، والذي قد لا يكون مقبولًا عندها فتُجبر على ما لا تريده، أو تنشق عن التحالف، فتدخل في صراعاتٍ جانبية مع حلفائها القدماء، وقد تتهم بشق الصف في المجتمع الدولي.
- إن المنظمات الدولية لو اعتبرتْ محاربة الإرهاب حقـًّا مِن حقوق الإنسان، كما ظهرتْ دعاوى بذلك، فإنها ستفرض على الشعوب محاربة مَن تراه هذه المنظمات الدولية إرهابيًّا في تعريفها للإرهاب، ومعلومٌ أن هذه المنظمات تخضع لمصالح الدول الكبرى، بل وللصهيونية العالمية كما لا يخفى على كل متابع لنشاطها وقراراتها عبْر عقودٍ مضتْ.
ولا شك أن تعريف الإرهابي يخدم وضع مناهج التعامل مع الإرهاب ومواجهته مواجهة فعالة.
ونظرًا للحاجة لتعريف الإرهابي؛ فهذه محاولة لذلك نبنيها على ما ينبغي أن يتم التوافق عليه حول مفهوم الإرهابي، حيث نتحدث عن ثلاثة عناصر ينبغي أن تكون موجودة في كل مَن يُوصف بالإرهاب، وهي:
1- التطرف في الفكر بعيدًا عن الاعتدال والوسطية.
2- السعي لفرض هذا الفكر على جموع المخالفين له.
3- استخدام العنف أو التهديد باستخدامه ضد الآخرين للوصول لأهدافه.
وعليه فَفَقْدُ واحدٍ مِن هذه العناصر يُخرج فاقده مِن دائرة اعتباره إرهابيًّا، وإن لم يُخرجه مِن دائرة الذم، وسوف نلقي الضوء على كلِّ عنصرٍ مِن هذه العناصر، وما يتعلق به في إيجاز وتبسيط -إن شاء الله-.
تعريف الإرهابي:
أولًا: لا بد أن يكون الإرهابي متطرفًا فكريًّا:
فالإرهابي يحمل رأيًا أو فكرًا بعيدًا عن الاعتدال والوسطية، ولكنه يرى أن الشطط الذي هو عليه هو الصواب الذي ينبغي أن يكون عليه المجتمع ككل، والاختلاف في الرأي سنة كونية لا يمكن منعها ولا تجنبها، ومَن حمل فكرًا خاطئًا فهي مسئوليته الشخصية التي سيحاسَب عليها، لكن يزداد الخطأ وتبعاته بمحاولة فرض هذا الرأي أو الفكر على الآخرين بالقوة والإكراه، وليس بالحوار والإقناع، والإسلام لا يقبل الإكراه للآخرين، ولا يعتدُّ به؛ سواء كان الإكراه في الاعتقاد أو الأعمال أو الأقوال،كما هو معلوم في كتب العقيدة والفقه.
وفي اللغة: المراد مِن التطرف هو منتهى الشيء وغايته، وعليه فالتطرف تَفَعُّل مِن الطَّرَف، تَطَرَّفَ يَتَطَرَّفُ فهو مُتَطَرِّفٌ، ومنه قولهم: تطرفت الشمس إذا دنت للغروب. ونحوه "الغُلُوّ": وهو مجاوزة الحد والقدر، وهو أشد مِن التطرف، وبينهما عموم وخصوص، فكل غلو تطرف، وليس كل تطرف غُلُوّ.
والتطرف اصطلاحًا: الجُنُوح فكرًا أو سلوكًا يمينًا بأقصاه أو يسارًا بأقصاه.
والصلة وثيقة بيْن التطرف والإرهاب؛ إذ إن التشدد والغلو يجعل صاحبه يضع لنفسه المبررات للعنف أو التهديد به انتصارًا لفكره فيدخل بممارسة العنف دائرة الإرهاب، فكل إرهابي متطرف؛ بمعنى أن له فكرًا يخالِف الوسطية ويسعى لفرضه على الجميع ولو بالعنف، وليس كل متطرف إرهابيًّا طالما لا يسعى لفرض فكره ورأيه على المجتمع، ولم يمارس العنف ضد الآخرين أو يهدد به.
وينبغي التنبُّه إلى أن التطرف أنواعه كثيرة:
- فهناك التطرف الديني: كالصهيونية المسيحية عند النصارى، والحركات والمنظمات الصهيونية العلنية والسرية عند اليهود، إلى جانب الجماعات المتطرفة عند المسلمين. بل وهناك تطرف عند غير أصحاب الديانات السماوية: كالتطرف الهندوسي الذي يهدد الحياة الديمقراطية في الهند، والتطرف البوذي الذي يهدد الوحدة الوطنية في تايلند، وميانمار.
- وهناك التطرف الأيديولوجي: وهو شائع في أوروبا، كما في الشيوعية المتطرفة، والرأسمالية الجَشِعَة، والليبرالية المتوحشة، والعلمانية الملحدة، والفاشية والنازية.
وتعد الحركات النازية والفاشية والأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا مِن الصور البارزة للإرهاب؛ لما تحمله مِن غلو في التعصب للقوميات أو الجنس، ومِن مُيُول عدائية وتحريض بالعنف تجاه الآخرين بصورة مُفرِطة وبلا خفاء أو مواربة!