شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الحفاظ على الهُوِيَّة الإسلامية أو الدَّمَار!

الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن المُسْتَمِع لكلمة رئيس الوزراء الإسرائيلي في تهنئة اليهود بقرار الرئيس الأمريكي "ترامب" بنقل السفارة الأمريكية إلى "القُدْس" اعترافًا بأنها العاصمة الأبدية -كَذَبوا- لإسرائيل!

وكذلك كلمة نائب الرئيس الأمريكي في نفس المناسبة -وهو يفتخر أنه هو و"ترامب" مَن شَرُفوا بخدمة إسرائيل!-؛ يدرك بيقينٍ أن المعركة على "القُدْس" معركة عقائدية منهجية حضارية، تدور حول القِيَم؛ فكُلٌّ مِن الكلمتين ذِهنِيّة بامتياز، بل بغُلُوٍّ وتَعَصُّبٍ وكِبْرٍ، وازدراء للمخالفين واحتقارهم، كما يقول "نتنياهو": (ففي "القُدْس" حَكَم ملوك إسرائيل، ووَعَظ أنبياؤنا، وكان هَيكَلُنا)؛ فهو حريصٌ أن يؤكِّد أن عودتهم للقُدْسِ عودة دينية حسب الوعد الإلهي المزعوم.

والذي بَيَّنَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- في كتابه أنه كان لهم عندما كانوا مُسْلمين مُؤمِنين مُتَّبِعين للأنبياء، ولَيسَ وَعْدًا أَبَدِيًّا مع كُفْرِهِم وتكذيبِهم، ومُحارَبَتِهِم دينَ الحق!

واليَمينُ الأمريكي المُتَطَرِّف يُؤكِّد نفسَ المعنى على لسان نائب الرئيس الأمريكي، فيُؤكِّد على عدالة القضية اليهودية في "القُدْس"، ويَا عَجَبًا؛ أين ضاع الحق التاريخي للهُنود الحمر في أمريكا؟! وكيف كانت إبادتهم عَدْلًا؟! والذين يَدَّعون عَدَالَة القضية اليهودية يُعَلِّلون قولَهم بأمورٍ، مِن أبرزها: ما تَعَرَّض له اليهود مِن محاولات إبادة، والعجب أن يدفع المسلمون ثمن تلك الإبادات التي قام بها الغرب في فتراتٍ مِن تاريخه، ولم يقم المسلمون بشيءٍ منها عبْر التاريخ!

بل عندما دخل المسلمون "القُدْس" في عهد عمر بن الخَطَّاب -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- دَخَلُوها بَانِينَ لا هَادِمين، مُصْلِحِين لا مُفْسِدين، مُعَمِّرِين لا مُدَمِّرين، مُعَظِّمِينَ للبُقْعَة المُقَدَّسَة، مُزِيلِين عنها عُدْوان الرُّومان الوَثَنِيِّين الذين دَمَّروا ما عَلَوا تدميرًا؛ لأنه هكذا الإسلام يبني ويُعَمِّر، وينشر الحياة والعَدْل، حَيَاةَ القُلوبِ والأبدان.

وكذا فعل "صَلَاحُ الدِّين" عندما فَتَحها بعد احتلال الصليبيين، وَلَو كَرِهَ "يوسف زيدان" وأشباهُه -مِن المؤرخين الصهاينة- الذين يريدون أن يَنسى المسلمون "المسجد الأقصى" ليهدمه اليهود ويبنوا الهيكلَ المزعوم، فالمسجد الأقصى -في زَعْمِه- هو الذي بجوار الطائف!؛ خِدَاعٌ عَجِيب! وللأسف لا يُسْمَح بالرَدِّ على هذه الخُرافات بنفس المساحة والصوت الذي يتكلمون به وينشرون شبهاتهم!

إن الخطر العظيم الذي يتهدد واقع أُمَّتِنا هو في المحاولات الدءوبة لتمييع الهُوِيَّةِ الإسلامية لمجتمعات المنطقة كُلِّها، والابتعاد عن الدِّين، ومُهاجَمَة الرموز الدينية -الأحياءِ منهم والأموات-، ومُصَادَرَة حَقِّ ووَاجِبِ الدعوة إلى اللهِ على بصيرة؛ لكي لا يُصبِح في المشهد مَن يتكلم باسم الإسلام إلا "داعش، والقاعدة، والشيعة، والتيارات القُطْبِيَّة والتكفيرية".

فـ"الدَّعوة السلفية" وَهَّابِيَّةٌ متطرفة في زعمهم! و"الأزهر" منبع التطرف والإرهاب في كذبهم! ولا يوجد كيان إسلامي عندهم إلا وهو سبب مِحْنَة الُأَّمة! مع أن العلمانية والاشتراكية والقومية هي التي سيطرتْ على مقاليد الأمور في معظم البلدان منذ أكثر مِن قَرْنٍ مِن الزمان، تَرَنَّحَت الأُمَّةُ خِلَالَه، وخَسِرَتْ ما بأيديها، وصارت تَابِعَةً لأعدائها.

إن الأعداء لا يَتَحَرَّجون مِن إعلان هُويتهم الدينية، في حين يهاجمون الإسلام، ويصرِّحون بأنه سَرَطان خبيث في عقل أكثر مِن 1.7 مليار مِن البشر -كما قاله مستشار "ترامب" السابق -أخزاه الله!-.

وعندما يَتَحَرَّجُ الأكثر مِن أن يتلو -مُجَرَّدَ تِلاوةٍ- قولَ اللهِ -تَعَالى-: ( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ) (البقرة:120) ؛ فضلًا عن فَهْمِهَا والعَمَلِ بها والدَّعْوَةِ إليها، ويَتَحَرَّجُون مِن قوله -تَعَالَى-: ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ) (آل عمران:19) ، وقوله: ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (آل عمران:85) ، وتَحْذِفُ لِجَانُ المُرَاجَعَة للمناهج مِن كتب التربية الدينية لأبنائنا أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- دَعَا إلى دين الحق الذي هو الإسلام؛ فتحذف "الذي هو دين الإسلام!"، والطَّبَعاتُ مَوجودةٌ سَابقًا ولَاحِقًا.

يَتَحَرَّجُ أَقوامٌ مما يُصَرِّحُ به اليهود أن الحربَ حَرب دينٍ ومبادئ وقِيَم، فيزعم أن الحربَ ليستْ إلا على الأرض فقط! فما تصنعون بالأرض إذًن؟! وأَيّ دينٍ ستعملونَ على إعلائِه فيها؟ قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: ( مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) (متفق عليه) .

والعجيب أن بعض القائلين بأن الصراع ليس دينيًّا هم مِن المُنتَسِبِين إلى العمل الإسلامي! فاسمعوا "نتنياهو" لتعرفوا!

إن الأُمَّة مُسْتَهْدَفَة في دِينها وقِيَمِها وأهدافِها؛ فصارت آمال الشباب مُعَلَّقَة بالكُرَة، وصار إحراز أهدافها هو الهدف الأكبر لكثيرٍ منهم، والفوز بمسابقاتها -أو حتى مجرد بُلُوغِها- هو الفوز الأكبر في حِسِّ كَثيرٍ منهم! والأبطال هم نجوم الفن والسينما التي يضغط الغرب بكل قوة لإدخالها لكل بلاد المسلمين، حتى تلك البلاد التي استقرت الفتاوى الصادرة عن المؤسسات الدينية الرسمية فيها على المنع منها! وتحرير المرأة مِن عبوديتها للهِ لِتُصْبِح مَمْلُوكَة لأهل الشهوات والفِسق والفُجور، وتصير لعبة فوق البيع في كل تجارة فاسدة، باسم التقدم وانتصار قيم الحرية الغربية، هذا هو الذي يدعو إليه أعداؤنا!

الصفحة التالية