الحفاظ على الهُوِيَّة الإسلامية أو الدَّمَار!
الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة
نقول: إن مُحارَبَة الدين والتدين، وطمس الهُوِيَّة الإسلامية لبلادنا، لن ينتج منه إلا الخراب والتمكين للأعداء، وهم لَا يَرْقُبُونَ في مُؤمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّة، ولن يُعطوا مَن يَتحالَف معهم ويُمَكِّن لهم مِن تغيير قِيَم المُجتمعاتِ شَيئًا مما يتمناه!
فما أشبه الليلة بالبارحة؛ فنفس الخطاب الزاعم حُرِّيَّة العبادة لأهل الأديان -مع أن "المسجد الأقصى" يُمْنَع مِن دون الخامسة والأربعين مِن دُخُولِه- هو نفس الخطاب المذكور في اتفاق تسليم "غرناطة" وسقوط "الأندلس"، والذي بدأت بعده "محاكم التفتيش"، وأزيل الإسلام والمسلمون بالكُلِّيَّةِ بأبشع صور الإبادة؛ فَهُم يستخدمون هذا الخطاب لفترةٍ وجيزة، يظهر بعدها الوجه الحقيقي مِن التعصب الممقوت والعدوان ونقض العهود.
إن عقيدة أهل الإسلام لا تتزعزع في قول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: ( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ ) (متفق عليه) .
إن أُمَّتَنا قد تَمرَض، ولكن لن تموت، قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: ( لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ ) (متفق عليه) ، وفي رواية: ( حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) ، أما مَن يَتَبَرَّأ مِن هُوِيَّتِها في وقت الضعف والمَرَض، أو يكون أداةً مِن أدوات الأعداء في هَدْمِ قِيَمِها وتغيير أهدافها؛ فهو الذي يَجْتَثُّ نَفْسَه مِن جسدها الواحد، ويحكم على نفسه بالموت والهلاك.
وسَتُعَافَى الأُمَّة بعد حين، وتعود لها عِزَّتُها إذا عادت لدينها: ( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَ?كِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) (المنافقون:8) ، وقال -عَزَّ وَجَلَّ-: ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (التوبة:33) .
واجب الوقت:
سنسأل سؤالًا فقط: هل نحن موقنون بأن موازين قوة الأُمَم وضَعْفِها، واجتماعها وتَفَرُّقها بيد الله -سُبحانَه وَتَعَالى-؟! بأنه -عَزَّ وَجَلَّ- هو الذي يَسْتَخْلِف: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ )؟!
بأنه هو الذي يُمَكِّن: ( وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ) (النور:55) ؟!
موقنون بقول الله -عَزَّ وَجَلَّ-: ( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) (القصص:5-6) ؟
موقنون بقول الله -عَزَّ وَجَلَّ-: ( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ) (الإسراء:6) -أي: قوة عسكرية-؟
إذا أَيْقَنَّا بذلك؛ فلننظر: لماذا حدث لنا ذلك؟!
بالتأكيد نحتاج إلى تغيير: ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (الرعد:11) .
فماذا نفعل إذًن؟!
- نُصَلِّي أكثر مما نُصَلِّي؛ فالذي لا يصلي الفجر -حاضرًا- يصليه، والذي لا يصلي في المسجد يصلي فيه، ومَن يصلي في المسجد يستيقظ قبْل الفجر يدعو رَبَّنَا -سبحانه وتعالى- ويصلي قِيامَ لَيْلٍ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (البقرة:153) ، وقال -تعالى-: ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ . الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) (البقرة:45-46) .
- نُغَيِّرُ وَاقِعَنا الذي نعيشه، ويكون لدينا نور نُوصِلُه لِمَن حَوْلَنا، بدلًا مِن أن ينهار المجتمع في عقيدته وفي أخلاقه وفي عباداته! فكثير جِدًّا مِن شبابنا لا يُصَلِّي، وكثير مِن بناتنا اعتَقَدْنَ أن الحجاب ليس بالضرورة؛ فنَشْرُ الجهل سَبَبٌ مِن أعظم أسباب تذويب هُوِيَّة الأمة، ومِن أعظم أسباب تَسَلُّط الأعداء، وهناك نشرٌ كبيرٌ للجهل، وليس فقط تركٌ لطلب العلم، بل إن نشر الجهل قد وصل حتى إلى أن اقتنع الناس بما يُضَادُّ الشريعة!
- عندما تضعف الأُمَّةُ إلى أن تجهل عقيدتها في "الحُبّ في الله، والبُغْض في الله، والموالاة لله، والمعاداة في الله -عَزَّ وَجَلَّ- لأعداء الله"، وعندما تجهل قول الله -عَزَّ وَجَلَّ-: ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى? تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ) (الممتحنة:4) .
- لو سمعنا كلمة "نتنياهو" وهو يؤكِّد التاريخ الذي مرَّ عليه 3000 سنة، ويتمسك بهُوِيَّةٍ واضحةٍ في نفس الوقت الذي تُنشر فيه في وسط بلاد الإسلام أن الأديان كلها مثل بعضها، وأن الملل متساوية، ولا فرق بيْن هذا وذاك! لعلمنا أنهم ينتصرون بتمييع دين المسلمين بقدر الجهل الذي ينتشر.