شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حوار "جريدة الفتح" مع د."ياسر برهامي" حول حادث "مسجد الروضة" (2)

صوت السلف • حدث وتعليق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

- بداية... البعض يستغل الحدث لتصفية حسابات أيديولوجية، فيردد شبهات حول كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، ويتهمه بأنه كان مستحلًا لدماء الصوفية!

هذا كلام باطل؛ فابن تيمية -رحمه الله- لم يقل ذلك، وابن تيمية لم يقل إن آحاد الناس يتولون وظائف الحاكم في مقاومة أهل البدع والضلالات، ولكن ابن تيمية يتحدث عن دفع الفساد في الأرض، وقد ذكر هذا الكلام في مواطن مختلفة، منها ما ذكره في كتاب "السياسة الشرعية"، فمثلًا البعض يردد كلام ابن تيمية وهو يقول: "وأما قتل الداعية إلى البدع، فقد يُقتل لكف ضرره عن الناس، كما يقتل المحارب، وإن لم يكن في نفس الأمر كافرًا، فليس كل مَن أُمر بقتله يكون قتله لردته" (مجموع الفتاوى 23/ 351) .

هذا الأمر يتحدث فيه ابن تيمية -رحمه الله- عن البدع المكفرة أو البدع التي يُخشى منها تقسيم المجتمع كـ"بدعة الخوارج"، ويتولي ذلك الإمام أو الحاكم وليس آحاد الناس.

وهم يحكمون بالإعدام بالجملة في بعض الأحيان حتى لو لم يكن البعض قد شارك، ولكنه قاد منظمات إرهابية أو جماعات إرهابية؛ فكيف يقتلونهم؟ كيف يحكم القاضي بالإعدام؟ وكيف يوافق المفتي على هذا الحكم، ويقول إنه موافق للشريعة؟ إنهم يحكمون بذلك بناءً على هذه النصوص؛ لأن الداعي للبدع التي وصلتْ بدعته للكفر يقتضي ذلك.

- البعض يردد قتل خالد بن عبد الله القسري للجعد بن درهم، فما رأي فضيلتك؟

هم كثيرًا ما يذكرون قصة خالد بن عبد الله القسري عندما قتل الجعد بن درهم، وخالد كان هو الحاكم في هذا الوقت، وخاف أن تنتشر بدعة الجعد بن درهم التي يصرِّح فيها بمناقضة القرآن الكريم، فكان يقول عن قول الله: ( وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ) (النساء:164) : "إن الله لم يكلِّم الله موسى تكليمًا!"، وكذلك في قول الله: ( وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ) (النساء:125) ، كان يقول: "لم يتخذ الله إبراهيم خليلًا!"، فخاف خالد بن عبد الله القسري مِن إحداث فتنة داخل المجتمع، وإحداث فساد، وقد حكم العلماء بردته؛ فنفذ الحكم، وهو -كما قلتُ مِن قبْل- كان الحاكم في ذلك التوقيت.

وفي المحاكم الحالية قد يَحكم القضاة بالإعدام بأعدادٍ كبيرة في بعض الأحيان حتى ولو لم يكونوا جميعًا شاركوا، ولكن منهم مَن قاد أو خطط، فهل يكون هؤلاء القضاة إرهابيين أو منبعًا للإرهاب؟! وهل يكون المفتي الذي يوافق علي هذه الأحكام إرهابيًّا؟! بالتأكيد لا؛ لأنهم يستندون إلى النصوص التي تدل على محاربة المفسدين في الأرض، فإذا كانت البدعة قد وصلتْ للكفر أو تؤدي لفساد المجتمع؛ فالأمر مِن هذا الباب.

هذا الكلام كيف يصبح دليلًا على أن ابن تيمية راعيًا للإرهاب؟! إن المالكية يقولون بنفس الكلام، والحنابلة عندهم أيضًا نفس القول؛ فهل المالكية والحنابلة راعون للإرهاب أيضًا؟ طبعًا "إسلام بحيري" عنده كل هؤلاء إرهابيون!

- ينقلون نصوصًا أخرى عن ابن تيمية عمَن يغالي في الصالحين، ويقولون إن ابن تيمية يكفـِّر هؤلاء؟!

هم يرددون قول ابن تيمية -رحمه الله-: " فكل مَن غلا في حي أو في رجلٍ صالح, كمثل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أو عدي أو نحوه, أو فيمن يعتقد فيه الصلاح: كالحلاج أو الحاكم الذي كان بمصر أو يونس القتي ونحوهم, وجعل فيه نوعًا مِن الإلهية, مثل أن يقول: كل رزق لا يرزقنيه الشيخ فلان ما أريده, أو يقول إذا ذبح شاة: باسم سيدي، أو يعبده بالسجود له أو لغيره, أو يدعوه مِن دون الله -تعالى-، مثل أن يقول: يا سيدي فلان اغفر لي أو ارحمني, أو انصرني أو ارزقني أو أغثني أو أجرني أو توكلت عليك, أو أنتَ حسبي أو أنا في حسبك, أو نحو هذه الأقوال والأفعال التي هي مِن خصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله -تعالى-, فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل" (مجموع الفتاوى 3/ ???) .

وهذا الكلام ليس كلام ابن تيمية فقط، وإنما هو كلام كل أهل العلم بالإجماع، ولا نزاع بيْن أهل العلم في أن مَن يعتقد الألوهية في شخصٍ فهو كافر، إذا كان مَن يعتقد الألوهية في المسيح -عليه السلام- يكون كافرًا كما نص القرآن على ذلك، فكيف بمَن يعتقد الألوهية في علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أو غيره مِن الناس؟ فهذا لا نزاع فيه بيْن العلماء أن هؤلاء مرتدون.

- ومَن الذي يقيم حد الردة؟!

الذي يقيم حد الردة هو الحاكم، وليس آحاد الناس؛ حتى لا تحدث الفوضى.

هذا الكلام واضح، وليس كل مبتدع يكون كذلك، فعلى سبيل المثال: مَن يقيمون الحضرة بمناسبة المولد، هي بدعة، ولكن هل هي بدعة مكفرة؟ وهل هي مثل مَن يقول: "لا إله إلا الله، ما في الجبة إلا الله!"، وهل مثل مَن يقول: "عليّ هو الله"، أو مَن يعتقد إن الشيخ الفلاني يرزقه وبالتالي يعبده وينذر له ويذبح له، وقد قال الله: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) (الكوثر:2) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ ) (رواه مسلم) ، فمَن يقول: إن هذه النصوص تصنع الإرهاب هو يهاجِم الإسلام، ويهاجم التوحيد في الحقيقة؛ هذه الاعتقادات كما ذكر ابن تيمية "مِن خصاصة الربوبية التي لا تصلح إلا لله -تعالى-".

- ذكرتَ أن هذا الكلام ليس كلام ابن تيمية فقط، فهل تقصد أن الهدف هو مهاجمة كل أهل العلم؟!

في الحقيقة الهجوم ليس على ابن تيمية فقط، بل هم يهاجمون الأئمة الأربعة، وكذا البخاري ومسلم، وكتب التراث، ويهاجمون الأزهر الشريف أيضًا، فهي في الحقيقة مهاجمة للدين، وليستْ مهاجمة لفكرٍ إرهابي، وهذا هو الفكر الغربي الذي يقول عن الإسلام إنه مصدر الإرهاب!

- نشرت مجلة "النبأ" التابعة لتنظيم "داعش" الإرهابي تقريرًا منذ أشهر تحذر فيه القائمين على مسجد "الروضة"، وتصف مسجدهم بمسجد الضرار؛ فما تعليقكم على هذه الشبهة؟!

الصفحة التالية