حوار "جريدة الفتح" مع د."ياسر برهامي" حول حادث "مسجد الروضة" (2)
صوت السلف • حدث وتعليق
الكلام الذي نشرته النبأ التابعة لـ"داعش" مِن عام تقريبًا عن أن المسجد مسجد ضرارٍ، نقول: إن مسجد الضرار هو الذي نزل فيه قول الله -تعالى-: ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ . لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ) (التوبة:107-108) .
أولًا: لم يقتل النبي -صلى الله عليه وسلم- مَن فيه، ولكنه حرّق المسجد، ومنعهم مِن الاجتماع فيه.
ثانيًا: كان المسجد "إرصادًا لمَن حارب الله ورسوله مِن قبل"، فكان يتم فيه عقد اجتماعات سريه لمحاربة الإسلام، ولمَن يأتونهم مِن بلادٍ بعيدةٍ، فيجدون موئلًا ومكانًا يجتمعون فيه؛ هذا هو مسجد الضرار.
هل هؤلاء الناس والرجال والأطفال الذين كانوا يصلون داخل المسجد حتى ولو كان عندهم نوع مِن المخالفة؛ لعدم فهمهم وعلمهم، هل يصح أن يُقال عن عملهم الصالح الذين يقومون به مِن صلاة الجمعة في مسجدٍ يُذكر فيه اسم الله، أنهم يُعدون المسجد ليكون مكانًا لأعداء الإسلام؟! هذا كلام باطل لا يصلح، وهم لا يستطيعون إثبات ذلك.
فمسجد الضرار حتى لو ثبت أنه كذلك فلا يبيح قتل مَن يصلي فيه؛ لأنه لا يلزم أن كل مَن صلى في مسجد الضرار أنه كافر، ولو كفر فلا بد مِن استيفاء الشروط وانتفاء الموانع قبْل أن يحكم عليه بالردة، ثم مَن الذي يطبق ذلك؟! يطبق ذلك الحاكم وليس آحاد الناس، ولا يصح أن يطبقه هؤلاء الذين يصدون عن سبيل الله باستباحتهم للدماء المعصومة وبسلوكياتهم المرفوضة.
- هم يقولون عن مسلمي "مسجد الروضة" إنهم منافقون؟!
هذه جريمة بلا شك، وتطبيق للنصوص الشرعية التي وردت في الكفار والمنافقين على أهل الإسلام، ثم لا يعاملونهم حتى بمعاملة المنافقين، فأقول لهم: هل عاملتموهم كما عامل النبي -صلى الله عليه وسلم- عبد الله بن أبي بن سلول؟! والمنافقين الذين قال الله فيهم: ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ) (التوبة:101) ، مَن عَلِمهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وأسرّ بأسمائهم لحذيفة -رضي الله عنه-، هل قتلهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟!
هم يقتلون مَن يشهد بأن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويزعمون أنهم بذلك يطبقون حكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مسجد الضرار، وهو وصف غير صحيح، ولا ينطبق على المساجد التي هي في بلاد المسلمين، وتقام فيها شعائر والعبادات.
- يزعمون أنهم يقيمون بالمسجد "حضرات" وأنها شرك، فما رأي حضرتك؟!
وجود الحضرة بالمسجد لا يَلزم منها الشرك، وحتى لو كان بالحضرة بدعة أو كلام باطل؛ فلا بد فيه مِن إقامة الحجة، ولا بد مِن تعليم الناس، فقد قام هؤلاء المتطرفون بفعلٍ منكرٍ عظيم باستحلال دماء الناس أثناء صلاة الجمعة؛ بسبب التكفير في غير موضعه، وبدون ضوابط.
- ما سبب ذلك؟!
عدم التفرقة بيْن البدعة والشرك، وعدم التفرقة بيْن الشرك الأكبر والشرك الأصغر، وعدم التفرقة بيْن النفاق والكفر في الأحكام، وعدم استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، وعدم التفرقة بيْن كفر النوع وكفر العين؛ كل هذه المسائل لم يتعلموها ولم يدرسوها؛ فحملوا السلاح، وسفكوا الدماء المعصومة.
- البعض يهاجم مناهج الأزهر الشريف ويتهمها بأنها مِن أسباب تفريخ الإرهاب، فما تعليقك؟!
مناهج الأزهر أُلفت منذ مئات السنين، ولم نرَ خلال هذه السنوات إرهابيين مِن الأزهر، وقد كانت تدرس كاملة وبلا تحرزات، فكان بالكتب أبواب "الردة"، وأبواب "الجهاد"، وغيرها، وكانت تدرّس على مذاهب الأئمة الأربعة؛ فلماذا لم نرَ الإرهاب خلال مئات السنين الفائتة؟!
لذلك نقول: ليس الحل في إلغاء آيات مِن القرآن الكريم، ولا في إلغاء أبواب كاملة مِن الفقه، ولكن الحل في التدريس الصحيح لها، فالأزهر مناهجه لا تفرز إرهابيين، ولو أن واحدًا مِن الأزهر انتسب للأزهر، وصار إرهابيًّا بعد ذلك؛ فهذا بالضبط يشبه -على سبيل المثال- فردًا بالقوات المسلحة، وصار إرهابيًّا، أو ضابط شرطة واندمج مع الجماعات المتطرفة؛ فهل يصح أن نقول إن القوات المسلحة تفرِّخ الإرهاب أو إن تدريس الشرطة يفرخ للإرهاب؟! لا، هذا كلام باطل، وهو في الحقيقة ظلم وعدوان.
- البعض يدعي أن هناك نصوصًا موجودة في كتب الأزهر تَستدل بها الجماعات المتطرفة لتبرير أفعالهم؟!
مناهج الأزهر لا علاقة لها بالإرهاب، وليس معنى وجود بعض النصوص والعبارات الموجود عناوينها عند الجماعات التكفيرية أن الأزهر يفرخ الإرهاب، كلمة الجهاد موجودة في القرآن، وكلمة الشرك موجودة في القرآن؛ فهل نقوم بإلغاء هذه الآيات كما يطالِب الغرب؟!
بعض الناس في الغرب يطالبون بذلك فعلًا، يعتقدون أننا مِن الممكن أن يتم عندنا، كما يحدث في بعض ترجمات الإنجيل مثلًا، وهذا الكلام لا يمكن أن يقع عندنا، هذا مستحيل، ليس معنى أن الناس قد فهمت النصوص خطأ أن نغير النصوص!