مِن الآثار الإسلامية في مدينة "القدس" القديمة
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فتزخر مدينة "القدس" القديمة -في القدس الشرقية- بالآثار الإسلامية التي تشهد باهتمام المسلمين البالغ بهذه المدينة، وما قاموا به مِن البناء والتشييد والعمران.
ومما ينبغي الإشادة به هنا: أن المسلمين طوال القرون الطويلة التي حكموا فيها "القدس" لم يتعرضوا لما كان فيها مِن آثارٍ دينية للنصارى، بل كفلوا لنصارى القدس "وللنصارى الزائرين مِن خارجها" حرية العبادة والصلاة فيها -كما هو معروف-.
لذا فالقدس القديمة حافلة بالكنائس والمزارات التي كان يؤمها النصارى مِن كل الطوائف طوال فترة الحكم الإسلامي للمدينة، وإلى جوارها بنى المسلمون مساجدهم ودورهم وأبنيتهم الكثيرة.
ومما ينبغي أن نشير إليه أيضًا: أنه لا توجد أي آثار يهودية في مدينة القدس القديمة، وقد قام اليهود ومِن قبلهم ومعهم علماء مِن جامعات أوروبية وأمريكية، ومِن الجامعة العبْرية بحفر العديد مِن الحفريات، وبناء أنفاق حول وتحت أسوار المسجد الأقصى للتنقيب عن الآثار التاريخية لليهود في المدينة، ولكنها لم تسفر عن العثور على أي شيءٍ يُذكر؛ ويرجع ذلك عند الكثيرين إلى الفترة القصيرة التي كان لليهود مملكتهم في فلسطين في عهد داود وسليمان -عليهما السلام-، والتي استمرت نحو سبعين عامًا فقط، بينما عاش العرب في فلسطين أكثر مِن أربعة آلاف سنة، كما أنها تحت الحكم الإسلامي منذ أكثر مِن أربعة عشر قرنًا.
ومِن المسلَّم به أن المسلمين عند دخولهم القدس لم يكن بها أي معبدٍ أو هيكلٍ يهودي، بل كانت مدينة أهلها عرب مِن نسل كنعان يتكلمون اللغة العربية، ويدينون بالديانة النصرانية، ولهم كنائسهم ومعابدهم، ثم انتقل إليها المسلمون، وانتشر في أهلها الإسلام، ولو وجد المسلمون بها معابد لليهود لأبقوا عليها كما أبقوا على كنائس النصارى ومزاراتهم، وكما أبقوا على معابد اليهود في مدن ومناطق أخرى فتحها المسلمون؛ إذ إن اليهود عند المسلمين أهل كتاب كالنصارى، يعاملونهم بنفس معاملتهم للنصارى؛ لذا فإن المسلمين أعطوا اليهود حرية الزيارة للمدينة، بل وإقامة ما يريدون مِن شعائر وصلوات عند ما يسمونه (حائط المبكى!)، والذي يعتقد اليهود أنه الجزء المتبقي مِن هيكل سليمان -عليه السلام- في زعمهم! وهو ما لم يثبت تاريخيًّا؛ إذ أن الحائط يمثـِّل السور الغربي للمسجد الأقصى (حائط البراق)، ويُعد مِن الأوقاف الإسلامية، وهو ما استقر عليه الأمر عليه بعد الاعتراف الدولي بذلك عقب أحداث ثورة البراق عام 1929م.
ومِن الآثار الإسلامية في مدينة القدس القديمة:
- المسجد الأقصى:
الذي بناه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عندما تسلم المدينة مِن أهلها عام 16 هجريًّا، حيث قام بتنظيف ساحة الأقصى وصخرته، ثم بنى مسجدًا صغيرًا عند مسرى النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعراجه؛ إذ لم يكن هناك مسجد منذ أن هدم الرومان قديمًا ما كان فيه مِن البناء، بل ومنع الرومان اليهود مِن دخول المدينة لفتراتٍ طويلة.
وترجع أهمية المسجد الأقصى عند المسلمين لأمور، منها: أنه مسرى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفيه أمَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- الأنبياء لما صلى معهم فيه، ثم منه عرج إلى السماء، وذلك في ليلة الإسراء والمعراج، وإليه صلى المسلمون نحو سبعة عشرة شهرًا إذ كان هو قبلتهم الأولى قبْل أن يؤمروا بالتوجه إلى المسجد الحرام بمكة.
وقد بشَّر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته بفتح المسجد الأقصى قبْل موته؛ فوقع الفتح في عهد عمر -رضي الله عنه- كما قال، كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن أجر الصلاة في المسجد الأقصى أعظم مِن أجر الصلاة في غيره مِن المساجد إلا المسجد الحرام، والمسجد النبوي، وأن المسجد الأقصى مع المسجد الحرام والمسجد النبوي مما يجوز السفر وشد الرحال له دون غيره مِن المساجد.
وقد ظلَّ المسجد لقرونٍ طويلة مركزًا هامًّا لتدريس العلوم والمعارف الإسلامية، ومركزًا للاحتفالات الدينية الكبرى، ومكانًا لإعلان المراسيم السلطانية، ومزارًا للمصلين والمعتكفين والمتعبدين مِن المسلمين، يشدون إليه الرحال مِن شتى بقاع الأرض.
وقد كان أول بناء للمسجد الأقصى مِن يعقوب -عليه السلام-، وأتمه سليمان -عليه السلام-؛ فكان يؤمه الموحدين مِن بني إسرائيل، فلما بدَّل اليهود في دينهم، ووقعوا في الشرك والكفر؛ عوقبوا بهدمه إذ سلـَّط الله عليهم مَن قضى على دولتهم وشتتهم، حتى دخله المسلمون الموحدون في عهد عمر -رضي الله عنه-؛ فأعادوا بنائه والصلاة فيه قرونًا طويلة -ولله الحمد والمنة-.
ومعلوم أن قبلة المسجد الأقصى بأسواره المستطيلة -قبْل وبعد ما بناه عمر- هي إلى الكعبة، وهذا يخالف تمامًا ما يؤكده اليهود مِن أن قبلة هيكلهم المزعوم -والذي يزعمون أن مكانه هو المكان الحالي للمسجد الأقصى- هي جهة الشرق!
وقد أعيد بناء المسجد العمري عدة مرات في أعقاب زلازل تعرض لها على مدى القرون الماضية بدءًا مِن الزلزال الذي وقع في أواخر حكم الأمويين عام 130 هجريًّا، ومرورًا بالزلزال الذي وقع في عهد الفاطميين عام 425 هجريًّا.
- مسجد "قبة الصخرة":
وهو المسجد الذي بناه عبد الملك بن مروان عام 72م هجريًّا - 691م على الصخرة الموجودة داخل ساحة المسجد الأقصى، والتي يعتقد أن مِن عندها كان معراج النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى السماء في ليلة المعراج، وتُعد قبة الصخرة مِن روائع الآثار الإسلامية، وقد رصد عبد الملك لبنائه خراج مصر لسبع سنين، وجعله يضاهي في روعته كنائس النصارى خاصة كنيسة القيامة.
وقد أصاب المسجد ما أصابه بسبب الزلازل والعواصف والأمطار؛ لذا قام العديد مِن الحكام المسلمين بترميمه وإعادة عمارته وتجديده، وفي العصر الحديث قام المجلس الإسلامي الأعلى الفلسطيني بترميمه ترميمًا مؤقتًا عام 1938م، لكنه يحتاج إلى ترميمٍ شاملٍ لجميع أنحائه.