شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

لماذا تَجَرَّءُوا عَلَينا؟! (2)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد ذكرنا في المقال السابق أن مِن أعظم أسباب الضعف الذي حَلَّ بالأُمَّةِ: وجود البغي بيْن أبنائها، وانتشار هذا المرض الخطير، ونتناول في مقالنا اليوم سببًا ثانيًا، هو مِن أعظم أسباب الضعف والفساد وتَسَلُّطِ الأعداء، وهو: "الجهلُ، ونَقْصُ العِلْمِ، واتِّخَاذُ الرؤوسِ الجُهَّال"، قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ؛ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا: اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا؛ فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا ) (متفق عليه) .

ولقد بَيَّنَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- لنا أن حُصُولَ الفسادِ في الأرض -وأعظمُ فسادٍ هو فسادُ الاعتقاد، بالشِّرْك- سَبَبُه: نَقْصُ العلم تدريجيًّا؛ فلقد كان أول شِرْكٍ وَقَع على ظهر الأرض بسبب موتِ العلماء، فبدأت البِدَع في الظُّهُورِ، روى البخاري عن ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- في قوله -تعالى-: ( وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ) (نوح:23) ، قال: "أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِن قَومِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أوحى الشيطانُ إلى قَومِهِم أن انْصِبُوا إلى مَجَالِسِهم التي كانوا يَجْلِسُون أَنصَابًا، وسَمُّوهَا بأسمائِهِم، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَد، حتى إذا هَلَكَ أُولَئِكَ ونُسِخَ العِلْمُ -أي زال العلم- عُبِدَت".

فأنتَ ترى كيف كان نَقْصُ العِلْمِ سَبَبًا لظُهُور البِدْعَة العَمَلِيَّةِ أولًا -وهي بدعة التماثيل التذكارية للصالحين والكبار-، ثم تَحَوَّلَت إلى بدعةٍ اعتقاديةٍ، بِظَنِّ التَوَسُّل بهم، في الاستسقاء وغير ذلك من الحاجات، فلما ماتَ تلامِذَةُ العُلَمَاء وزاد الجهل جِدًّا، ونُسِخَ العِلْمُ ظهرت البِدَع الكُفْرِيَّة الاعتقادية، وظهر الشِّرْكُ صريحًا -والعياذ بالله- حتى سَمُّوهَا آلهة!

وقد جعل الله -عَزَّ وَجَلَّ- الجهلَ صفةً للكُفَّاِر والمُنَافِقِينَ، قال الله -تعالى-: ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ) (التوبة:6) ، وقال -تعالى-: ( وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ) (المنافقون:7) ، وقال -تعالى-: ( وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) (المنافقون:8) ، وقال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ) (متفق عليه) .

فَقِلَّةُ الفِقْهِ في الدِّين تُؤَدِّي إلى الشَرِّ والفَسَادِ، والبِدَعِ والنِّفَاقِ، وكُلُّهَا أسبابٌ في ضَيَاعِ الأُمَّةِ وتَمَزُّقِهَا.

ولو تَأَمَّلْنَا ما وَقَعَ في التاريخ، كيف كان ظُهُور البِدَعِ والنِّفَاقِ وانْتِشَارُ الجَهْلِ سَبَبًا لِتَسَلُّطِ الأعداء! فقد كان سُقُوطُ "بَيْتِ المَقْدِسِ" في يد الصليبيين بعد ظُهُورِ الدولة الباطِنِيَّةِ -المُسَمَّاة بـ"الفَاطِمِيَّةِ"- وتَسَلُّطِها على كثيرٍ مِن بلاد المسلمين، في مِصْرَ وإفريقيا والحِجَاز، وأَجْزَاءٍ مِن الشام، ولم ترجع "القُدْسُ" للمسلمين إلا بعد زوال هذه الدولة المُنَافِقَة على يد "صَلَاح الدِّينِ" مبعوثًا مِن "نور الدين محمود" -رَحِمَهُما اللهُ تَعَالَى-، وكَانَ قَد نَشَر أنواعَ العُلُوم فصار "البُخَارِيّ ومُسْلِم" وكتب الحديث تُتْلَى في المساجد في مصر والشام، وكذلك كان تدريسُ الفِقْهِ على المذاهب -مذاهب أئمة أهل السُنَّة- كان هو القائم المنتشر لإزالة آثار هذه البدعة.

ولقد تميزت "الصَّحْوَةُ الإسلامية" المُعَاصِرَة بإقبالٍ كبيرٍ على العِلْمِ الشَرْعِيِّ وأَهْلِه، وحقق "المَنْهَجُ السَلَفِيُّ" انتشارًا واسِعًا بيْن أبناء العمل الإسلامي، وصارت عقيدة "أهل السُنَّة والجَمَاعَة" وطريقتهم في العلم والعمل مِن الرُّجُوعِ للآيات القرآنية والحديث النبوي، وكثرة الاستدلال بالنصوص، وانتشار التفسيرات السَّلَفِيَّةِ كـ"ابن جرير وابن كثير"، وانتشار شروح كتب السُنَّة، وكتب العقيدة على طريقة السلف - هي الأصل الذي يُرْجَع إليه؛ ولا غَرَابَةَ في ذلك؛ إذ أن الإصلاح لا يُمْكِن أن يقوم إلا على العِلْمِ.

والفَسَادُ يُصَاحِبُهُ الجَهْلُ، والفَسَادُ سَبَبُ تَسَلُّطِ الأَعْداءِ، كما قال -تعالى-: ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا . فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا . ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا . إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ) (الإسراء:4-7) ؛ فعندما حصل في بني إسرائيل الفسادُ بسببِ الجَهْلِ والبِدَعِ والظُّلْمِ والبَغْيِ حَصَل تَسَلُّطُ الأعداءِ، وعندما قامت الدَّعْوَةُ إلى الله على يد نَبِيٍّ لهم حفَّزَهم على الجهادِ في سبيلِ اللهِ والإخلاصِ في ذلكِ، وطَلَبُوا من نَبِيِّهِم مَلِكا يقاتلون في سبيلِ اللهِ، وَوُجِد ذلك الجيلُ الذي كان منه داود -عَلَيْهِ السَّلَامُ- في جيش "طالوت" -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كان ما أرادوا مِن النصرِ والفتحِ بفضل الله -عَزَّ وَجَلَّ-.

الصفحة التالية