شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

لماذا تَجَرَّءُوا عَلَينا؟! (2)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

ولكن للأسف بعد مدةٍ مِن الصَّحْوَة جاءت فترةُ "الربيع العربي" بِفُتُورٍ شديدٍ لدى الشباب، وخُصوصًا في طَلَب العِلْم، والإعراضِ عن دُرُوسِه ، والانشغالِ -عند مَنْ يَطْلُبُ العِلْمَ- بِعُلُومِ الآلة -كالمَنْطِقِ وعِلْمِ الكَلَام وأُصُولِ الفِقْهِ والمُصْطَلَح- مع إهمالِ العُلُومِ المَقْصُودَة لِذَاتِهَا؛ فأُهمِل التفسيرُ، وانتشرت عُلُومُ القِرَاءات -وهي في الأصل خَادِمَة له لتحقيقِ الفَهْمِ ثم التَّدَبُّر والعَمَل والدَّعْوَة- وزاد الأَمْرُ حتى أَقْبَلَ الكثيرون على الاهتمام بما يسمى بـ"العلوم الإنسانية" وتقديمِ أصحابِها، وعودة التقليد المذموم والتعصب المذهبي في جانبٍ، ومِن جانبٍ آخر: انتشار التلفيق المبنيِّ على الهَوَى، واختيار الآراء بالتَشَهِّي، وتَتَبُّع رُخَصِ المذاهب، بل وإِحْدَاث الرُّخَص في مواطن الإجماع بزعم التيسير!، وهذا كُلّه مع إهمال العلوم المقصودة لذاتها: كالتوحيد والفقه والحديث، والتفسير والتهذيب والسيرة، ولا شك أننا لا ننكر أهمية علوم الآلات والوسائل، ولكن بشرط عدم تضييع العلوم المقصودة لذاتها، وإعطائها أولويتها، حتى يدور الناس حول نصوص الوحي المُنَزَّل؛ فيحصل بذلك أنواع الصلاح.

وأما ما جَرَى؛ فقد سَبَّبَ ضعفَ العملِ الإسلامِيِّ، وتَأَخُّر الدَّعُوَةِ، وعودة اتجاهات التغريب المُدَمِّرة والطُّرُق الخُرَافِيَّة البِدْعِيَّة، وانتشرت الأقوال والأفعال الشِّرْكِيَّة، بل وَعُقِدَت لها المؤتمرات العلمية في الدول الغربية والشرقية، وَتَقَرَّب الكثيرون للأعداءِ بِمُحَارَبَةِ "السَّلَفِيَّة" وفِكْرِ "ابن تيمية وابن عبد الوهاب" باسم مُحَارَبَة الإرهاب والفِكْرِ المُتَطَرِّف الذي ما نَشَأَ في الحقيقة إلا في ظِلِّ الجَهْلِ ونَقْصِ العِلْمِ!

فجماعات التكفير والصِّدَام المُسَلَّح مع المسلمين لم تنتعش إلا في أوساطِ الجُهَّالِ مِن الشباب، الذين تَقُودُهُم العَاطِفَةُ الهوجاء والحَمَاسَةُ الفَارِغَة، والتي يَسْهُل على الأعداءِ تَوجِيهُهَا مِن خلال مجموعةٍ مِن العُمَلَاء يَتَصَدَّرُون قيادة هذه الجماعات، ولا يستطيع الأَغْمَارُ تمييز عَمَالَتِهم -إذ لا بصيرة لهم في الأقوال والأعمال والأحوال وانحرافات الجماعات-؛ فتَمَّ تشويهُ صورةِ العملِ الإسلامي كُلِّه -بل الإسلام نفسه-، وإيقاع الصِّدَام المُدَمِّر داخل المجتمعات؛ فتمزقت البلادُ وضاعت الأوطان، وزادت الوَطْأَةُ للأعداء الذين سَرَّهُم أن تتحول بلادُنا إلى سوقٍ للسِّلَاحِ، مع الدُّخُولِ في مُستَنْقَعَاتِ الجهل والفقر والمرض.

لا نجاة لنا منها إلا بعودةٍ للعلم النافع والعمل الصالح، والدعوة المبنية على ذلك؛ فلن تعود الأُمَّةُ لِقُوَّتِها إلا بنشر العلم بالكِتَابِ والسُنَّة والعقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق بالتفسير السَّلَفِيِّ السُّنِّيِّ وبالحديث الصحيح الثابت، في العلوم التي هي فَرْضُ عَيْنٍ -كالإيمان والإسلام والإحسان- والتي هي فَرْضُ كِفَايَةٍ، حتى تكون قضية العِلْم سِمَةً أساسية لكل المنتسبين إلى العمل الإسلامي.

وَطَلَبُ العلم صفةٌ ضروريةٌ لِكُلِّ الدُّعَاةِ إلى الله، بل لِكُلِّ مُسْلِمٍ ومُسْلِمَةٍ، كما قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) ، وقد تظن بعض الاتجاهات الإسلامية أن الاهتمام بطلب العلم قد يَضُرُّ بقَضِيَّة "السمع والطاعة" المطلوبة لتحقيق "التعاون على البر والتقوى" في ظنهم، وأن الأيسر عليه في قيادة أتباعه أن لا يكون منهم مَن يُناقِش ويَسْأَلُ عن الدليل، ولماذا فعلنا؟ ولماذا تركنا؟ فيجعل مسألة العَاطِفَة مُقَدَّمَة في التربية عنده على الفَهْم والعِلْم!

وهذا مِن أخطر الظن وأَسْوَأ الظن؛ فإن العمل الإسلامي ليس بحاجةٍ إلى جَهَلَةٍ يَقُودُونه ويقودُهم قادتهم كقُطْعَانِ المَاشِيَة بلا دراية ولا معرفة! بل هذا يَحْرِمُ العَمَلَ الإسلاميَّ مِن أسباب نُورِه وصَفَائه ومِن مُوجِبَات الوقاية مِن الانحراف، ويُفَرِّغُ الدَّعْوَةَ الإسلاميَّةَ مِن مضمونِها مع بقاء اسْمِها وشَكْلِها؛ هذا مِن أخطر الأمور علينا جميعًا!

وإن كان هناك بالفعل عيبٌ لدى كثير مِن طُلَّابِ العلم يتمثل في عدم الامتثال، وكَثْرَة الاعتراض، وضعف التعاون على البر والتقوى، وظهور الفردية، وظهور النَّرْجِسِيَّةِ، وظهور أمراض القلوب، فليس ذلك بعيبٍ في طلب العلم، بل لنقص التربية؛ فلا يصح أن نَحُثَّهُم على العلم فقط، بل لابد مِن إذكاء روح العمل الإسلامي الشامل في نفوس طلاب العلم، وبيان مسئوليتهم عن أُمَّتِهم، وأن عَاطِفَتَهم نحو قضايا المسلمين هي في الحقيقة جزءٌ مِن إيمانهم وإسلامهم، وأن عمَلَهُم في الدعوة المُنَظَّمَة التي تهدف إلى إقامة الفروض الضائعة في الأُمَّة الإسلامية هو علامة انتفاعهم بالعلم، وإلا كان حُجَّةً عليهم لَا لَهُم، وأن التزامهم السمع والطاعة لمن هو أَعْلَم منهم وأَمْثَل في قيادة العمل الإسلامي لتحقيق الواجبات هو علامةٌ على انتفاءِ الكِبْرِ المَذْمُوم والحَسَد والرِّياءِ وحُبِّ الرياسة من قُلوبِهِم.

وكذلك لا بد مِن الحذر مِن التلذذ بالأوضاع الإدارية التي تُغْرِي غُرور النَّفْسِ لدى الكثيرين، والتي تصبح عائقًا في حقيقة الأمر، بدلًا مِن تحقيق التعاون على البِرِّ والتقوى؛ فإن الأوضاع الإدارية داخل كثير مِن الجماعات الإسلامية صارت عَقَبَةً! لِمُجَرَّدِ رَغْبةِ القائمين عليها في التحَكُّمِ في الآخرين -فيما تحت أيديهم-؛ فتَرَتَّبَ على ذلك من أنواعِ الخَلَل ما الله أَعْلَمُ بِهِ.

فَعِلَاجُ المشكلة يكون بالعلمِ والتربيةِ، وليس بالإبقاءِ على الجَهْلِ والتحذيرِ مِن طُلَّابِ العلم أو السُّخْرِيَةِ منهم، مثل مَن يقول: "أصحاب الكتب الصفراء"!، أو مَن يقول لمن يحفظ البُخَارِيّ: "زِدْنَا مِنَ البُخَارِيِّ نُسْخَةً"! ونحو هذه العبارات التي تحقرُ العلم وتُهَوِّنُ من شأنه.

الصفحة السابقة الصفحة التالية