المستوطنات الإسرائيلية أخطر وسائل تهويد القدس
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد دأبت الحركة الصهيونية منذ بدايات الهجرة اليهودية إلى فلسطين في مطلع القرن العشرين الميلادي على إقامة المستوطنات (المستعمرات) الصهيونية في فلسطين لتوطين اليهود فيها!
فالاستيطان هو العنصر الأساسي الثابت، والسلاح الحديث القديم في الإستراتيجية الصهيونية قبْل وبعد عام 1948م، أي قبْل وبعد قيام دولة إسرائيل، ولهذا كان بن جوريون مؤسس دولة إسرائيل يعرّف الصهيونية بأنها هي الاستيطان.
مستعمرات لا مستوطنات:
ومما ينبغي التنبُّه له أن كلمة (مستعمرة) أقرب في الدلالة مِن كلمة (مستوطنة)؛ إذ أن كلمة مستوطنة تعني اتخاذ المكان وطنًا وتوطنه، وهي كلمها لها دلالة تاريخية بالنسبة للغرب؛ إذ تعني أن هناك أرضًا بلا شعب أو سكان يتخذها المستوطنون لهم وطنًا، وهو ما يروِّج له و يدعيه اليهود منذ أن وطأت أقدامهم أرض فلسطين، أما كلمة (مستعمرة) فتعني عند الغرب الاستغلال والسيطرة، وتحمل عند العرب ودول العالم الثالث معنى بغيضًا يتمشى تمامًا مع أطماع اليهود في فلسطين، ومع الغرض مِن قيام دولة إسرائيل، والتي هي في الأساس دولة استعمارية عنصرية زرعها الغرب في المنطقة العربية لما وراءها مِن تحقيق مصالح الغرب واليهود في المنطقة.
شبكة استيطانية يهودية داخل الأراضي المحتلة:
وخلال 50 سنة مِن بعد حرب يونيو 1967م، والاستيلاء على القدس الشرقية أنشأت إسرائيل شبكة استيطانية مِن مئات المستوطنات في القدس الشرقية وحولها في ظل الاتفاق الضمني بيْن حزبي: "الليكود والعمل"، ومختلف الأحزاب الإسرائيلية لتهويد القدس، وجعلها عاصمة لإسرائيل، وعدم العودة إلى حدود ما قبْل 5 يونيو 1967م.
وهذه المستوطنات ليستْ مشروعات اقتصادية استثمارية لها جدوى اقتصادية، بل هي وسيلة حديثة قديمة يُنفق عليها المليارات للاستيلاء على أرض فلسطين، وهي ورقة هامة للضغط الإسرائيلي لتوسيع حدودها لأكبر قدرٍ ممكن مِن الأرض العربية في أي مفاوضات قد تضطر إسرائيل للدخول فيها.
والاستيطان كذلك له صورة عسكرية؛ إذ تتسم هذه المستوطنات منذ نشأتها بالطابع العسكري، لكونها تزرع داخل التكتلات السكانية الفلسطينية وبجوارها وحولها لإحداث التغيير السكاني المطلوب بزيادة الكثافة السكانية لليهود في الأراضي التي يسكنها الفلسطينيون بما فيها القدس القديمة، وهدفها الأكبر: التغيير الديموغرافي (السكاني) للقدس الشرقية وتهويدها، وتحويل الفلسطينيين في المستقبل القريب -مع وسائل أخرى- إلى أقلية!
لذا فالمستوطنات حصون قتالية مسلحة ومعادية لكل ما هو فلسطيني يحيط بها؛ إذ تتصارع معه على اقتسام الأرض، وهي تقام مِن أول يوم لها -وطوال بقائها- في حماية المؤسسة العسكرية الإسرائيلية؛ لأنها مفروضة على واقع الأرض الفلسطينية فرضًا!
لقد بدأت حكومة حزب العمل المشروع الاستيطاني بعد حرب يونيو 1967م بخطة للاستيطان وضعها (إيجال آلون) بدعوى الاحتياجات الأمنية الحيوية لإسرائيل تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولكن سرعان ما خرجت الحكومات الإسرائيلية سواء كانت مِن حزب العمل أو الليكود عن معايير خطة (إيجال آلون)، كما في إنشاء مستعمرة (كريات أربع) في الخليل، ومستعمرة (ياميت) في سيناء أثناء احتلالها، وتحول الاستيطان إلى طوفانٍ مِن المستوطنات خاصة بعد الخروج مِن سيناء، وانتهاء الحرب مع لبنان عام 1982م؛ إرضاءً للناخبين والمتشددين الإسرائيليين، وتعويضًا عن الفشل في الاحتفاظ بسيناء والبقاء في لبنان.
وقد راعت خطة الاستيطان الإسرائيلية في بناء المستوطنات:
- أن تغطي مختلف الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة لمزيدٍ مِن السيطرة عليها بلا مبررٍ أمني أو غيره، كما في المستوطنات التي أقيمتْ في سائر أنحاء الضفة الغربية وغزة والجولان.
- أن توزع هذه المستوطنات توزيعًا يسمح بالتواصل بينها، ويساهِم في فصل الأجزاء العربية والفلسطينية عن بعضها، كالشريط الاستيطاني المحاذي للخط الأخضر الفاصل بيْن إسرائيل (فلسطين المحتلة سنة 1948م) وبيْن القدس الشرقية والضفة الغربية، والمستوطنات الفاصلة بيْن القدس الشرقية والضفة الغربية، والمستوطنات الفاصلة بيْن شمال الضفة الغربية وجنوبها، وبيْن شمال مرتفعات الجولان وجنوبها.
وقد نجحت السياسة الاستيطانية بالفعل في تحقيق أهدافها: فاستولت إسرائيل على مساحاتٍ كبيرةٍ مِن الأراضي الفلسطينية المحتلة لإقامة مئات المستوطنات عليها، وزرع الإسرائيليون لأنفسهم تواجدًا كبيرًا مؤثرًا داخل الأراضي المحتلة.
وقطعت إسرائيل التواصل بيْن المناطق السكنية الفلسطينية؛ وعليه فالفلسطينيون يعيشون محاصَرين في مدنهم وقراهم، ولا يستطيعون الانتقال بحريةٍ داخل الأراضي المحتلة، حيث تفصل بينهم المستوطنات والطرق التي تربط بينها، والتي تتحكم فيها عشرات البوابات والحواجز ونقاط التفتيش الإسرائيلية!
- كثـَّفت إسرائيل مِن تواجدها العسكري في الأراضي المحتلة مِن خلال قوات الجيش الإسرائيلي الرئيسية وقوات الاحتلال المنتشرة لحماية المستوطنات، ومِن خلال المستوطنين اليهود المسلحين التابعين لقوات الاحتلال مكَّنت هذه الكتل الاستيطانية سلطات الاحتلال مِن سنِّ قوانين وإصدار قرارات لتحقيق مكاسب على الأرض لبناء أو لحماية المستوطنات أمنيًّا بنزع ملكيات فلسطينية، وإزالة مزروعات وبساتين، واقتلاع أشجار، ورفض التصريح لمبانٍ فلسطينية جديدة حولها، إلخ.
- إيجاد حقائق على الأرض يصعب تغيرها، وبالتالي يتعذر معها العودة إلى حدود ما قبْل حرب يونيو 1967م.
المستوطنات والسيطرة على الأرض العربية:
بعد حرب يونيو 1967م واحتلال القدس الشرقية بدأتْ مباشرة خطوات التهويد خاصة في مدينة القدس القديمة؛ فتم إعلان قرار توسيع نطاق حدود بلدية القدس وتوحيدها في 28 يونيو 1967م.