التوسل المشروع وغير المشروع...شرح المنة (23)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
فكلمة (نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا) : أي بدعائه، نتوجه إليك به، بمعنى نطلب منه أن يدعو لنا، (وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا) ، أي نتوجه إليك بدعاء العباس -رضي الله عنه- فهذا هو الذي ورد في الكتاب والسنة من التوسل المشروع .
2- التوسل غير المشروع:
أما التوسل غير المشروع في مسألة الدعاء فهو ثلاثة أنواع أيضاً:
النوع الأول:
أن يُطلب من الميت أو الغائب أو الجن أو حتى الملائكة قضاء الحاجات وكشف الكربات، وأن يغيثوهم، أو يرزقوهم، أو يشفوهم، ويقضوا لهم حاجاتهم، أو يجلبوا لهم نفعاً أو يدفعوا عنهم ضراً، فهذا من الشرك الأكبر، قال -عز وجل-: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً) ، نزلت هذه الآيات في عيسى، وعُزَيْر، والملائكة، أو في الجن الذين أسلموا، فَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- فِي قَوْلِهِ -تعالى-: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ) (الإسراء: من الآية57)، قَالَ: نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ مِنَ العَرَبِ كَانُوا يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنْ الجِنِّ فَأَسْلَمَ الجانيون، وَالإِنْسُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ لا يَشْعُرُونَ، فَأَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ) ، فهذا يدل على أن من دعا الملائكة فدعاؤه هذا من التوسل الشركي، كالمشركين الذين كانوا يدعون اللات والعرى ومَناة الثالثة الأخرى على أنها صُوَرٌ للملائكة، ولذلك اشتقوا لهذه الأوثان أسماءً مؤنثة من أسماء الله -تعالى-، فقد اشتقوا اللات من الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان، فأوثانهم هذه كانوا يعتقدون أنها ترمز للملائكة، واعتقدوا أنهم يدعون الملائكة، وأن الملائكة تقضي لهم حاجاتهم تلك، وهم معتقدون أن الملائكة بنات الله، -تعالى- الله عن ذلك علواً كبيراً.
وهذا مثل أن يقول القائل للميت أو للمقبور أو الولي الفلاني -أو الذي يظنه ولياً- أو الجن: أغثني يا سيدي فلان، ارحمني يا سيدي فلان، ارزقني، اشف ابني..
أو طلب منه المدد كأن يقول: مدد يا سيدي فلان، أي ابعث لي مدداً، وهذا بلا شك مرتبطٌ باعتقاد شركي في الربوبية، وهو أنه يعتقد أن الولي له تدبير في الكون، فيرسل المدد ويأمر وينهى، فلا يمكن أن يكون دعاؤه للولي دعاءً مجرداً بلا اعتقاد أنه لا يملك له ضراً ولا نفعاً، فلا بد أنه يدعوه وهو معتقدٌ فيه أنه يملك الضر والنفع.
النوع الثاني:
أن يقول للميت والغائب: ادع الله لي، أو اسأل الله لي، أو اشفع لي في كذا، فهذا لا خلاف بين السلف في أنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يقل بها أحدٌ من علماء الأمة، وهو من ذرائع الشرك ؛ فهو من الشرك الأصغر، والفرق بينه وبين الذي قبله واضح، إذ الأول: دعاء غير الله، والثاني: مخاطبة الميت بما لم يرد في الكتاب والسنة، ولكنه لم يدعه، ولم يسأله قضاء الحاجات وتفريج الكربات، فلم يصرف له العبادة، ولكنه ذريعة للغلو، وبدعة وضلالة.
النوع الثالث:
وهو التوسل بذات المخلوق وجاهه، وهو بدعةٌ على الراجح، وقلنا على الراجح، لأن فيه خلافاً معتبراً، فقد ورد عن بعض المتقدمين وبعض الصحابة، مع أن الراجح تضعيفه عن الصحابة، فلم يثبت عنهم، على الصحيح.
وقد ورد في قصة عثمان بن حنيف -راوي حديث الأعمى- مع رجل كانت له حاجة عند عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، وكان عثمان -رضي الله عنه- مشغولاً عن الرجل لا يلتفت إليه، فقال له عثمان بن حنيف: ائت الميضأة، ثم توضأ وصل ركعتين، ثم قل : (اللهم إني أتوجه إليك بنبيك، يا محمد يا نبي الرحمة إني أتوجه بك إلى ربي في قضاء حاجتي) ، ثم تعالَ، فسأذهب معك، فذهب معه ودخل على عثمان فقضى للرجل حاجته.
هذه القصة رواها الطبراني ، وذكر قصة الحديث، وأصل الحديث -كما ذكرناه في التوسل المشروع -صحيح، وهو الذي ذكرنا في طلب الدعاء من المسلم الحي وهو حديث الأعمى، أما هذه الزيادة المذكورة هنا في هذه القصة فهي ضعيفة على الراجح.
لكن ما دام أن هناك اجتهادٌ في الباب، قلنا إنه بدعة على الراجح، فنُدخله بذلك في الخلاف السائغ، فمن توسل بهذا النوع من التوسل فقد أخطأ، ويُفتَى بأن فعله خطأ، ولكن لا يُضَلَّلُ ولا يُبَدَّعُ بعينه، لأن المسألة فيها اجتهاد، فبعض أنواع البدع فيها اختلاف، فمن قال: (الراجح أنه يجوز) لا يخرج عن دائرة أهل السنة بل قد قال قولاً مرجوحاً.
وممن رُوِيَ عنه القول بذلك: الإمام أحمد -رحمه الله-، ولكن هذا غير مُرَجَّحٌ عند المحققين في المذهب الحنبلي كشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فهو يرى أن هذه الرواية مرجوحة، حيث قال في الجواب على مسألةٍ في التوسل بالنبي -صلى الله عليه وسلم- هل يجوز أم لا ؟، فقال -رحمه الله-: (الجواب: الحمد لله، أما التوسل بالإيمان به -صلى الله عليه وسلم- ومحبته وطاعته والصلاة والسلام عليه وبدعائه وشفاعته ونحو ذلك مما هو من أفعاله وأفعال العباد المأمورِ بها في حقه فهو مشروع باتفاق المسلمين وكان الصحابة -رضي الله عنهم- يتوسلون به -صلى الله عليه وسلم- في حياته، وتوسلوا بعد موته بالعباس عمّه كما كانوا يتوسلون به.
