شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

التوسل المشروع وغير المشروع...شرح المنة (23)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

وأما قول القائل: اللهم إني أتوسل إليك به، فللعلماء فيه قولان كما لهم في الحلف به -صلى الله عليه وسلم- قولان، وجمهور الأئمة: كمالك والشافعي وأبي حنيفة على أنه لا يسوغ الحلف به كما لا يسوغ الحلف بغيره من الأنبياء والملائكة، ولا تنعقد اليمين بذلك باتفاق العلماء، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، والرواية الأخرى ؛ تنعقد اليمين به -صلى الله عليه وسلم- خاصة دون غيره، ولذلك قال أحمد في منسكه الذي كتبه للمروزي صاحبه إنه يتوسل بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في دعائه، ولكن غير أحمد قال: إن هذا إقسامٌ على الله به ولا يُقْسَم على الله -عز وجل- بمخلوق، وأحمد -رحمه الله- في إحدى الروايتين قد جَوَّزَ القسم به -صلى الله عليه وسلم- فلذلك جوز التوسل به، ولكن الرواية الأخرى عنه هي قول جمهور العلماء أنه لا يقسم به) ا.هـ .

وهذا القول بأن من حلف بالنبي -صلى الله عليه وسلم- انعقد يمينه ووجب الوفاء به، قولٌ باطل قطعاً من جهة الدليل ، ويمكن أن يحمل قول الإمام أحمد في رواية المروزي على أنه أراد التوسل بحب النبي -صلى الله عليه وسلم- واتباعه فهو من باب التوسل بالعمل الصالح.

فلذلك نقول إن التوسل بالحق والجاه، وهو النوع الثالث من التوسل غير المشروع، وهو أن يقول: اللهم إني أسألك بحق فلان، أو بجاه فلان، أو بفلان يعني بذاته، هو توسل بدعي على الراجح، أجازه بعض العلماء بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، كالعز بن عبد السلام، وهو منقول عن أحمد مرجوحاً، وأجازه البعض بعموم الصالحين، كالإمام الشوكاني، لكن الصحيح من حيث الدليل هو قول أبي حنيفة وأصحابه، وذلك أنهم قالوا: لا نتوسل بمخلوق، وإن كنا نقول إن هناك توسلاً بالمخلوق، وهو التوسل بالعمل الصالح، فالعمل الصالح مخلوق.

أما ذلك النوع من التوسل -التوسل بالحق والجاه وذات المخلوق- فهو بدعة، فلم يرد في كتاب ولا سنة، وقد تركه الصحابة مع استحضارهم له، كقول عمر -رضي الله عنه-: (اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا) ، فَيُسْقَوْنَ ، فعمر -رضي الله عنه- لم يتوسل بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، لأنه في الحقيقة كان يتوسل بدعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-، لا بذاته -صلى الله عليه وسلم-، ولا بجاهه -صلى الله عليه وسلم- فإن ذاته موجودة ، وجاهه قائم -صلى الله عليه وسلم-، ومع ذلك ترك عمر والصحابة معه التوسل بالنبي -صلى الله عليه وسلم- بهذا المعنى، فالصحابة y كما ذكرنا كانوا يتوسلون بدعائه -صلى الله عليه وسلم-، وهو الآن غير موجود، وطلب الدعاء منه غير ممكن، فلذلك عدلوا إلى التوسل بالعباس -رضي الله عنه-، وقالوا: نتوسل إليك بعم نبيك.

ومسألة التوسل من القضايا الشائكة التي حاول البعض من المعاصرين التخلص فيها من النزاع القائم بين المنهج السلفي والصوفية بالتوسط الدائم بين الفرق المتنازعة، فقال: إن الدعاء إذا اقترن بالتوسل إلى الله بأحد من خلقه خلاف فرعي، وليس من مسائل العقيدة.

وهذا في الحقيقة كلام موهم، لأنه كما ذكرنا أن من التوسل ما هو من مسائل العقيدة باتفاق، فالذين يدعون غير الله يسمون ذلك توسلاً وهذا شرك أكبر، وهناك ما هو شرك أصغر، لأنه ذريعة للشرك الأكبر، أما النوع الثالث فليس شركاً، لأنه يتوجه إلى الله بالدعاء، فيقول: اللهم إني أسألك بحق فلان أو بجاه فلان.

والشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- نص على المنع من هذا التوسل ، ولكنه لا يُنْكَرُ على مَن فعله، فلا يُنكَر على من توسل بالحق والجاه، ولذلك فلا يصح أن يقال: إن كل أنواع التوسل فيها خلافٌ سائغ، وكذلك من الخطأ إطلاق القول بأن كل توسل بالمخلوق شرك، كما قال أحد العلماء المعاصرين ، فهذا من الأخطاء التي يجب الحذر منها، لأن التوسل بدعاء المسلم الصالح الحي توسل بمخلوق، وقد قدمنا أنه جائز، وكذلك التوسل بالأعمال الصالحة، كما أن التوسل بالحق والجاه ليس من الشرك عند أحدٍ من أهل العلم، فليس بالشرك الأكبر الناقل عن الملة ولا حتى من الشرك الأصغر، بل هو خلاف فرعي كما قدمنا.

رواه الترمذي (3578)، وابن ماجه (1385)، والنسائي في الكبرى (10494، 10495، 10496)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1279).

رواه البخاري (5652)، مسلم (2576)، أحمد (3230).

رواه البخاري (5705، 5811، 6541، 6542)، ومسلم (216، 220)، والترمذي (2446)، وأحمد (2444).

خلافاً لشيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ الذي يجعل طلب الدعاء عموماً خلاف الأفضل، ويستدل بحديث (لا يسترقون) والصحيح أن هذا الحديث يدل على أن ترك طلب الدعاء في الأمر الدنيوي هو الأفضل، أما ترك طلب الدعاء في الأمر الأخروي فالحديث يدل على عكسه، فإن عكاشة طلب من الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يدعو له في أمرٍ أخروي، فدعا له النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو مع ذلك من السبعين ألفاً.

رواه الترمذي (3973)، وحسنه الألباني في المشكاة (2251).

رواه مسلم (2663)، أحمد (3692، 3915) ومواضع أخرى في المسند.

رواه البخاري (1010).

بالنسبة لتوسل عمر -رضي الله عنه- بدعاء العباس -رضي الله عنه- فهو عام للأمة كلها، ومن باب النصيحة للمسلمين، وهو أمرٌ ديني عظيم فلو قلنا لمسلم: ادعوا الله للمسلمين، فهذا ليس من باب سؤال الدعاء الدنيوي الذي هو خلاف الأفضل، بل نطلب من المسلمين أن يدعوا الله أن يفرج كرب المكروبين، ويرفع الظلم عن المظلومين ونحو هذا فهذا أمرٌ ديني، فيستحب أن نأمر الناس بالدعاء بمثل ذلك.

رواه البخاري (4714)، ومسلم (3030).

رواه الطبراني في المعجم الكبير (8311)، وضعفه الألباني في التوسل (ص 85)، وفي ضعيف الترغيب والترهيب برقم (415).

الفتاوى الكبرى (2/422).

الصفحة السابقة الصفحة التالية