شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

التوسل المشروع وغير المشروع...شرح المنة (23)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

النوع الثالث: طلب الدعاء من المسلم الصالح الحي

أما النوع الثالث من أنواع التوسل المشروع: فهو التوسل إلى الله -سبحانه وتعالى- بدعاء المسلم الصالح الحي الحاضر، وأعلى ذلك دعاء الأنبياء، كما قال أبناء يعقوب -عليه السلام- لأبيهم: (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) .

فطلبُ الدعاء من الحي مشروع، وذلك إذا كان في أمرٍ أُخروي مستحب ممن يرجى صلاحه، وأما إذا كان في أمر دنيوي فالأولى تركه، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- للرجل الأعمى الذي قال له: ادْعُ اللهَ لِي أَنْ يُعَافِيَنِي، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنْ شِئْتَ أَخَّرْتُ لَكَ وَهُوَ خَيْرٌ وَإِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ)، فَقَالَ: ادْعُهْ، ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ ؛ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِمُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي قَدْ تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ) ، ففعل الرجل فرد الله -عز وجل- عليه بصره.

فهذا قد اختار الحال الأقل، بدليل حديث ابن عباس -رضي الله عنه- في البخاري، قال لعَطَاءِ بن أبي رَبَاح: أَلا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، قَال: بَلَى، قَالَ: هَذِهِ المرأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللهَ ليِ، قَالَ: (إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الجنَّةُ وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَكِ)، فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، ثُمَّ عَادَتْ لَهُ فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لا أَتَكَشَّفَ فَدَعَا لَهَا ، كانت عندما يأتيها الصرع يحصل نوع من تكشف الثياب عنها، فدعا لها النبي -صلى الله عليه وسلم- ألا تتكشف.

وهو -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث بيَّن أن الأفضل أن يصبر الإنسان ولا يطلب الرُقية، ولا يطلب الدعاء من الآخرين، أما في الأمر الأخروي الديني وهو ألا تتكشف مثلاً، لأن التستر يحبه الله وشَرَعَه وأمر به وأوجبه، فلما كانت عند صرعها تتكشف لم يقل لها -صلى الله عليه وسلم- إن شئت صبرت ولك الجنة، وإنما دعا لها مباشرة، ورَغَّبَها في الصبر على الصرع، ولذلك لمّا صبرت، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (أَلا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ) ، لصبرها، والأعمى قد خيّره النبي -صلى الله عليه وسلم-، فاختار أن يدعو الله له، مع أن الأفضل أن يصبر على ما ابتلاه الله -عز وجل- به.

ومن ذلك حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب لأنهم: (لا يَسْتَرْقُونَ وَلا يَتَطَيَّرُونَ وَلا يَكْتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) ، فقوله -صلى الله عليه وسلم-: (لا يَسْتَرْقُونَ) دل على أن ترك الاسترقاء -أي ترك طلب الرقية- أفضل، ولكن يمكن أن يرقي الإنسان نفسه، أما سؤال الرقية من الناس كأن يقول لشخص آخر: ارقني، كما يذهب كثير من الناس إلى المُعَالِجِينَ أو مَنْ يُرجى صلاحه للرقية، فالأولى ألا يَسْتَرْقِي العبد، وفي هذا الحديث (فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الأَسَدِيُّ، فقَالَ: ادْعُ اللهَ لِي يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ) ، فقد طلب الدعاء لأمرٍ أُخروي وهو من السبعين ألفاً .

فعندما يكون الإنسان مريضاً مثلاً، ويقول لغيره ادعُ الله لي أن يشفيني، فهذا خلاف الأفضل، مع أنه مشروع، أو كالذي يريد النجاح مثلاً فيقول لغيره: ادعُ الله لي أن أنجح، فهذا خلاف الأفضل، بل الأفضل أن يدعو العبد لنفسه، إلا أن يكون هناك أمرٌ ديني أخروي في هذا الباب يطيع الإنسان به ربه -عز وجل- فالأمور الأخروية هي التي يطلب الدعاء فيها.

بل ينبغي أن يسأل الإنسان الأمور الدنيوية إجمالاً لا تفصيلاً، لأنه لا يدري أين الخير، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (لِيَسْال أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا حَتَّى يَسْأَلَ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ) ، لكن ليس من الأدب أن يقول: يا رب أصلح لي شسع نعلي، وإنما يقول: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) ، ويقول: (اللهم أصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت)، ونحو ذلك مما يدخل فيه هذا الأمر، أما التخصيص بأشياءٍ معينة في الدنيا، فالأولى أن ينشغل الإنسان بأن يسأل الله -عز وجل- أن يُعيذه من عذاب النار ومن عذاب القبر، كما حدث في حديث ميمونة -رضي الله عنها- لما قالت: (اللَّهُمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (قَدْ سَألتِ اللهَ لآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ حِلِّهِ، وَلَوْ كُنْتِ سَالتِ اللهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ أَوْ عَذَابٍ فِي القَبْرِ كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ) .

فالغرض المقصود أن طلب الدعاء من المسلم الصالح الحي الحاضر مشروع، وهو مستحب في الأمر الأخروي، أو في مصالح المسلمين العامة ونحو ذلك، ومنه حديث الأعمى الذي ذكرناه، ومنه قول عمر -رضي الله عنه- في الاستسقاء عندما خرج يستسقي بهم في عام الرَّمَادَةِ، قال: (اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا) ، فَيُسْقَوْنَ .

الصفحة التالية