شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الصومال : المحاكم الشرعية في مواجهة التهديد الخارجي

صوت السلف • المسلمون حول العالم

القتال الذي اندلع مؤخراً في العاصمة مقديشو بين اتحاد المحاكم الشرعية وتحالف ما يُسمى (إعادة إرساء السلام ومحاربة الإرهاب) لم يكن متوقعاً في رأي الكثير من المراقبين للشأن الصومالي، كما فاجأ الولايات المتحدة وحلفاءها في المنطقة، والحكومة الانتقالية الصومالية، وخاصة بعد سيطرة المحاكم الشرعية على العاصمة مقديشو وبعض المدن الأخرى .

قصة "التحالف" وهزيمته:

في يوم 18-2-2006م أُعلن عن ميلاد تحالف جديد تحت اسم (تحالف إرساء السلام ومحاربة الإرهاب) بدعم كبير من الولايات المتحدة الأمريكية، ومن دول إفريقية مجاورة للصومال وخاصة أثيوبيا . وكان الهدف الأساسي من وراء إنشاء هذا التحالف الجديد هو القضاء على ما يُسمّى الخلايا النائمة التابعة للقاعدة، وإفشال الحكومة الانتقالية، مقابل حصولهم على الدعم المادي الأمريكي، والعتاد الحربي الإثيوبي، بالإضافة إلى حصولهم على بطاقة الأصدقاء المخلصين لأمريكا. وفي حال نجاح المشروع الجديد فإن العضوية ستُفتح لكل من يرغب الانضمام إلى الكيان الجديد.

ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن؛ إذ اندلعت المواجهات الدامية في نفس اليوم الذي أُعلن فيه عن تشكيل التحالف بين القوات التابعة للمحاكم الشرعية، والمليشيات الموالية لأمراء الحرب ( قادة التحالف الجديد ) فانقلبت موازين القوى منذ الوهلة الأولى لصالح المحاكم الشرعية، وذلك للأسباب التالية:-

اعتماد أمريكا على أمراء الحرب الفاسدين المتهمين بارتكاب مجازر بشرية في حق شعبهم ، الذي عانى وما زال يعاني من ويلات الحروب الأهلية، طيلة السنوات الخمس عشرة الماضية. ولاغرو فقد انقلب السحر على الساحر فجأة، وذلك عندما انحاز الشعب الصومالي بجميع فئاته إلى جانب المحاكم الإسلامية.

- استهدف ما يُسمّى تحالف (إرساء السلام ومحاربة الإرهاب) أعز شيء وأغلاه لدى الشعب الصومالي ، وهو الإسلام ومبادئه السامية؛ إذ شنوا هجوماً عشوائياً على المدارس والمعاهد الإسلامية، بحسب زعمهم أنها تلقن الأطفال مفاهيم ومبادئ إرهابية تحرضهم على كراهية الولايات المتحدة الأمريكية.

- تزامنت تلك الأحداث المأساوية مع كارثة "الجفاف" التي ألحقت خسائر مادية وبشرية في صفوف الأهالي المتضررين؛ ففي الوقت الذي كان الشعب يتوقع من أمراء الحرب تقديم المساعدات العاجلة لهؤلاء البائسين، أعلن التحالف الحرب على الشعب، وبالتالي فإن فرص نجاحه وتمرير برامجه -المسمومة أصلاً- لم تحظ بأي ترحيب من القوى المستنيرة للشعب.

- قدمت المحاكم الشرعية بالتعاون مع لجنة الإغاثة العاجلة الصومالية مساعدات إنسانية إلى الأهالي المتضررين جراء الجفاف والقحط، كما ساهمت في إرساء قواعد الأمن والاستقرار في أجزاء واسعة من العاصمة الصومالية.

وسائل الإعلام المحلية لعبت دوراً حاسماً في هذه القضية؛ إذ كشفت أهداف التحالف الجديد، وعلاقته بأمريكا، كما أجرت حوارات ساخنة مع قادة التحالف المغرورين الذين أخفقوا في إيصال رسائلهم السياسية، والأمنية إلى الشعب الذي سئم من تصريحاتهم .

كما لعبت السياسة الحكيمة التي انتهجتها قيادة المحاكم الشرعية دوراً هاماً وحاسماً لصالح الشعب الصومالي، ونخص بالذكر فضلية الشيخ/شريف حسن شيخ أحمد، بحكمته وأسلوب تعامله مع وسائل الإعلام؛ إذ كان يؤكد بين الحين والآخر استعداده لوقف إطلاق النار واللجوء إلى الحوار بدل القوة العسكرية، في حين كانت قذائف مدافع التحالف تتساقط على بيوت المواطنين العزل في العاصمة مقديشو . هذا إضافة لسياسة المحاكم الشرعية المتوازنة، واستخدامها مفردات لغوية جديدة لم تكن معروفة لدى المواطن الصومالي ، وهي مفردات تدعو إلى احترام الإنسان الصومالي، والحفاظ على ضروراته الأساسية، بوضع حد للممارسات البشعة التي تمارسها المليشيات العملية الموالية لأمريكا.

الحماقة الأمريكية:

إذا رجعنا إلى الوراء قليلاً، فإن المعطيات العسكرية والأمنية في الصومال منذ تدخل واشنطن في الشأن الصومالي عام 1992م تحت غطاء الأمم المتحدة، تؤكد الحماقة الأمريكية تجاه تعاملها مع قضايا العالم الإسلامي بصفة عامة، والقضية الصومالية على وجه الخصوص.

وتتجلّى الحماقة الأمريكية هذه المرة في تورّطها في الحرب الدائرة في العاصمة مقديشو بإيحاء من إثيوبيا، العدو اللدود للصومال، ولأن الدولتين تتقاسمان الأدوار بصورة دقيقة؛ إذ قدمت واشنطن الدعم المادي لأمراء الحرب في حين قدمت أديس أبابا الآلة الحربية بأنواعها المختلفة، فالقيادة الأمريكية المخفقة لم تستوعب حتى الآن الدروس المرة في كل من العراق وأفغانستان.

وعلى الرغم من أن أمريكا لم يلحقها خسائر بشرية جديدة في الصومال، إلاّ أن عملاءها الصوماليين قد تم سحقهم بفضل الله، ثم بفضل المجاهدين الأبطال الصوماليين.

هل تستفيد أمريكا من أخطائها السابقة؟

وفي اعتقاد الكثيرين فإن أمريكا تلقّت صفعة قوية على أيدي قوات المحاكم الشرعية في الصومال؛ حيث مُني تحالف ما يُسمّى (إرساء السلام ومحاربة الإرهاب) بهزيمة نكراء، وأُخرجوا لأول مرة من العاصمة الصومالية ففزعت قيادة البنتاجون، والبيت الأبيض ، في حين فرح المسلمون وكل من يعارض الهيمنة الأمريكية بما تحقق من نتائج إيجابية على ميدان المعركة لصالح الشعب الصومالي الصابر.

ويلوح في الأفق في الوقت الراهن، مواقف أمريكية متباينة ومتناقضة، فمرة تعرب واشنطن عن قلقها العميق تجاه التطورات المتسارعة في الصومال، ومرة أخرى تعلن عن دور قريب قد تلعبه في الصومال لإعادة بناء المؤسسات الحكومية المنهارة، وتقديم الدعم المطلوب للحكومة الانتقالية الحالية، وذلك لسبب واحد وهو سحب البساط من تحت أقدام التيارات الإسلامية في الصومال، وفي سبيل تحقيق ذلك بدأت تغازل الحكومة الضعيفة الصومالية، بشرط أن تتعهد بالقضاء على المحاكم الشرعية، مما يعني أن الساحة الصومالية مرشحة إلى مزيد من الانفجارات الدامية.

الصفحة التالية