لماذا تَجَرَّءُوا عَلَينا؟ (3)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن مِن أعظم أسباب جرْأَة الأعداء علينا: الضعفُ الشديدُ الذي أصابَ "العمل الإسلامي" بجملته.
والذي مِن أعظم أسبابه: التفَرُّق والتَعَصُّب المذموم، الذي تفاقم بيْن الاتجاهات المختلفة، والذي ظهر جَلِيًّا بعد ثورات "الربيع العربي"، وما ترتب عليها مِن الانقسامات التي وقعتْ في المجتمعات العربية، وفي فصائل العمل الإسلامي المختلفة في المنهج ابتداءً، وتضاعَفَ الأمر بالاختلاف في توصيف الواقع والتعامل معه، ثم تضاعفت أكثر بانتشار السلوكيات المَرَضِيّة في القلوب، وعلى الألسِنَة والكتابات!
ومنبع ذلك هو مِن "التَعَصُّب المذموم"، الذي سَمَّاهُ النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "دَعْوَى الجَاهِلِيَّة"، لما وقع بيْن المهاجرين والأنصار خصومةٌ؛ فتَنَادَى المهاجرون: يا للمهاجرين، وَتَنَادَى الأنصار: يا للأنصار؛ فقال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّة؛ دَعُوهَا، فإِنَّها مُنْتِنَة ) (متفق عليه) ، مع أن اسم "المهاجرين، والأنصار" مِن أشرف الأسماء، وهي مِن الأسماء التي سَمَّاهُم الله بها في كتابه، وَسَمَّاهُم بها الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في سُنَّتِه؛ ومع ذلك حين صارت شِعَارًا يَنْتَصِرُ الناسُ له دون تَبَيُّنِ المُحِقِّ مِنَ المُبْطِل صارت "جَاهِلِيَّة"!
وإذا صار الناس يَتَحَزَّبُون إلى أوطانِهِم أو جماعاتِهِم أو أَعْرَاقِهِم القومية، أو لأسماءٍ -شريفةٍ أو غيرِ شريفةٍ-، أو لِعَالِمٍ مُعَيَّنٍ؛ فيَنْصُر المرءُ على ذلك، ويغضَبُ على ذلك، ويَتَغَاضَى عن المخالفات التي تصدر عن جَماعَتِه أو طَائِفَتِه، ويعظـِّم ما يَصْدُرُ مِن غيرِهم، ويعمل على المصالح المحدودة لطائفته دون النظر إلى مصالح باقي المسلمين "مع أنها مُتَلَازِمَةٌ"؛ فأوطانُنا يسقطُ بعضها تلو البَعْضِ إذا سَقَط بعضُها، فمَصالِحُها مُتَّحِدَة؛ ولذا لا بد مِن الحرص عليها جميعًا.
وكذلك طوائفُ المُسْلِمِين ومَذَاهِبُهم المُعْتَبَرَة، وجَمَاعاتُهم العَامِلَة مِن أَجْلِ إعلاءِ دينِ اللهِ على مذهب أَهْلِ السُنَّة؛ فمَن ينظر إلى أن المصلحة بالنسبة له هي مَصْلَحَةُ طائِفَتِه وجماعته التي ينتمي إليها؛ فهي نظرة غير سديدة، وميزانٌ غير صحيح!
ويزداد الأَمْرُ سُوءًا إذا رأى أن جماعتَه هي وحدَها "جماعة المسلمين" التي مَن فارَقَها فقد خلع رِبْقَة الإسلام مِن عُنُقِه!
وكم شَهِدْنا في الأحداث الماضية في بلادٍ مختلفةٍ مِن هذا النوع الذي تعتقده جماعات التكفير؛ فهي تعلن صراحة أن شرط الحكم للشخص بالإسلام أن يكون مُبَايِعًا لِزَعِيمِهَا وَقَائِدِهَا، وهناك جماعات تُطَبِّقُ ذلك رغم تصريحات المفكرين البارزين فيها أنهم جماعةٌ مِن المُسْلِمين؛ إلا أن تسليط سيف الاتهام الشديد لمن خَرَج عن الجماعة يَجْعَل المُعَامَلَةَ في الحقيقة مِن نوعِ ومِن جنسِ تَعَامُلِ جماعات التكفير! ثم صار التكفير صراحةً لِمَن خَالَفَهُم ولم يُوَافِقْهُم على طريقَتِهِم في التعامل مع الأحداث!
وقد وَصَلَ الأَمْرُ إلى أمورٍ شديدةٍ مِن خلال التضليل والتكفير للمُخَالِفِ ثم استباحة دَمِه وعِرْضِه ومَالِه، حتى دُفِعَت الجماعات والأفراد إلى قَتل مَن يرونه خائنًا عَمِيلًا مُرْتَدًّا كَافِرًا مُنَافِقًا -في ظَنِّهِم-!
وانتشار القتل هو مِن الفتن التي حَذَّرَ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- منها بقوله: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ، وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ؟! ) فَقِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: ( الْهَرْجُ، الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( لا تَقُوم السَّاعَةُ حتى يُقْبَضَ العِلْمُ، وتَكثُر الزلازلُ، وَيَتَقَارَب الزمانُ، وتظهر الفِتَنُ، ويَكْثُر الهَرْجُ ) (متفق عليه) . و( الهَرْجُ ): القتل.
وعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُحَدِّثُنَا أَنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ الْهَرْجَ. قِيلَ: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَال: ( الْكَذِبُ وَالْقَتْلُ ). قَالُوا: أَكْثَرُ مِمَّا نَقْتُلُ الْآنَ؟! قَالَ: ( إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمُ الْكُفَّارَ، وَلَكِنَّهُ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا حَتَّى يَقْتُلَ الرَّجُلُ جَارَهُ، وَيَقْتُلَ أَخَاهُ، وَيَقْتُلَ عَمَّهُ، وَيَقْتُلَ ابْنَ عَمِّهِ ). قَالُوا: سُبْحَانَ اللهِ! ومَعَنَا عُقُولُنَا؟! قَالَ: ( لَا. إِلَّا أَنَّهُ يَنْزِعُ عُقُولَ أَهْلِ ذَاكُم الزَّمَانِ حَتَّى يَحْسَبَ أَحَدُكُمْ أَنَّهُ عَلَى شَيْءٍ وَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) .
وتَأَمَّل في هذا الحديث أولًا: كيف جمع بيْن الكذب والقتل؟! فانتشار الشائعات الكاذِبَة وعدم التَثَبُّت مِن الأخبار، وبناء الأمور على الظَنِّ والشُّبْهَة، مِن أعظم أسباب انتشار القتل؛ فإذا أضيف إلى ذلك البِدْعَة: "كالتكفير، والتشَيُّع، وكل ما يؤدي إلى استباحة دم المسلم أو المُعَاهَد" - كان الأمرُ بالفِعْلِ فتنةً عظيمةً.
ثم تَأَمَّل ثانيًا: تَعَجُّبَ الصحابة أن تكون مَعَنَا عُقُولنا آنذاك؟! وهو يدل على أن تخريب المجتمعات بهذا الشكل حتى يَقتل الرجلُ جارَه، وأخاه، وعَمَّه وابْنَ عَمِّه، ينافي العقل؛ لأن مصالحَ الأهلِ والجيرانِ وأهلِ المَحِلَّةِ الواحدةِ والوطنِ الواحدِ مُتَشَابكةٌ "بل والأطان في زماننا"؛ لأن العالم أصبح كالقرية الصغيرة.