شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

لماذا تَجَرَّءُوا عَلَينا؟ (3)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

والأعداء يتمكنون ويتجرءون غاية الجرأة مع تَفَكُّكِ المجتمعات وانقسامها طائفيًّا، ولا شك أن مخططاتهم المُعْلَنَة -في "الفوضى الخَلَّاقة" في زعمهم!- والخَفِيَّة تهدف إلى التقسيم الطائفي للبلاد -التي هي أصلًا مُقسَّمة ثمرة المعاهدات الظالِمَة "سايكس بيكو" وغيرها-، وقد تعمَّدوا في هذه المعاهدات ترك بؤر الصراع على الحدود بيْن البلاد المختلفة، ووجود طوائف عِرْقِيَّةٍ ودينيةٍ متعددة، ظَلَّت مُتَعَايِشَةً لمئات السنين حتى مع اختلاف الدين والمذهب والقومية!

فالأقباط في مصر -مثلًا- لم يتعرض لهم أحدٌ -كطائفةٍ- منذ الفتح الإسلامي، وإلا لما بقوا أصلًا؛ فبقاؤهم دليلٌ على احترامِ دمائِهِم وأموالِهِم وأعراضِهِم مع بقائهم على دينِهِم، ومع ذلك ترى اليوم مَن ينفخ في نار التحارب الطائفي بقتلٍ هُنَا وتفجيرٍ هناك.

ونحن لا ننسى أن الاحتلال الإنجليزي لبلادِنا كان على خلفية حوادث طائفيةٍ، مثل ما يحدث مِن محاولاتِ التدخُّلِ الأمريكي، ومناقشة "الكونجرس" لاضطهاد الأقباط في مصر، وما هو مِن جنسِ هذه المزاعم الكاذبة الباطلة؛ فالواجب أن نعقِل أُمُورَنا ومَصَالِحَنا باستمرار "التعَايُشِ السِّلْمِيِّ"، ورعاية الحقوق بيننا، وعدم السماح بالتدمير للمجتمع بذلك.

والعراق مَثَلٌ ثانٍ عاش فيه "السُّنَّةُ، والشِّيْعَةُ" قرونًا طويلةً مع الاختلاف العقائدي والمذهبي، لكن لم تصل إلى بشاعة الحرب الطائفية التي يَشُنُّهَا "الشِّيْعَةُ" على "أَهْلِ السُنَّةِ" مثلما نرى في زمانِنَا؛ إلا ما كان أيام "التتار" الذين عاوَنَهُم "الرَّافِضَةُ" على قَتْلِ "أَهْلِ السُنَّةِ"! على خلفية أزماتٍ طائفية سبقتْ اجتياح "التتار" لبَغْدَاد.

وأمثلةٌ أخرى في سوريا واليمن، وكذلك ما يحدث بيْن "الأَكْرَادِ، والعَرَب".

ولا ينسى المسلمون أن مُحَرِّرَ "الأقصى" مِن الصليبيين، هو "صلاح الدين" -سلطان مصر والشام- الذي كان كُرْدِيًّا؛ للدلالة على مدى التسامح الذي كانت تعيشه المجتمعات أوقات انتصارها.

ولا يعني ذلك علاج هذا الأمر بتمييع العقائد، وتضييع الثوابت -كما يحاول البعض-؛ بل إعلاء قيمة "التعَايُش السِّلْمِيِّ" رعايةً لمصالح الجميع، ودَفْعًا لتسَلُّط الأعداء مِن خلال الحروب الطائفية.

وليس علاجُ أَمْرِ التعصب المذموم والحزبية المذمومة هو بإلغاء "العمل الجماعي"! فالتحَزُّب ينقسم إلى: "تَحَزُّبٍ مَذْمُومٍ، وتَحَزُّبٍ مَحْمُودٍ"؛ فالتَحَزُّبُ المَحْمُودُ هو ما كان تَعَاوُنًا على البِرِّ والتَّقْوَى، واجْتِمَاعًا على طاعة الله -عز وجل-، وقد قال الله -تعالى- في كتابه: ( لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (المجادلة:22) .

ولذلك فإن الاجتماع على البِرِّ والتَّقْوَى والتعاوُن عليهما هو المحمود، وأما التَحَزُّب المَذْمُوم والعَصَبِيَّة المَذْمُومَة؛ فهو الاجتماع والتعاون على الإثم والعدوان، وكذلك الانتصار لطائفةٍ أو مَذْهَبٍ أو بَلَدٍ أو جَمَاعَةٍ دون نظرٍ إلى المُحِقِّ مِن المُبْطِل في النزاعات التي تقع فيما بينهم.

ولا يَحْرُم التسَمِّي بالأسماء المختلفة -كما يَدَّعِيه البعضُ زَاعِمًا أنه يُحَارِبُ التعصُّب!-؛ بل لم تزل الأسماء موجودة؛ أبقاها النبي -صلى الله عليه وسلم- كـ"المهاجرين - والأنصار".

وَكُلُّ اسْمٍ يَدُلُّ على معنى حسنٍ ليس بديلًا عن اسم الإسلام -لا كما يدَّعي البعض أن كل الأسماء تكون بديلةً عن اسم الإسلام! فيرفض التسمي، وليس صحيحًا!-، بل تبقى الأسماء المشروعة التي تدل على المعاني المحمودة، ويُنهَى عن التعصب المذموم، والتعاون على الإثم والعدوان؛ فلا يصح أن يُقْتَل المريضُ لأنه مريضٌ! بل لابد من عِلَاجِه، ونمنعه مما يؤذيه ويَضُرُّه، ولا نمنعه مما يَجِبُ عليه شرعًا؛ فبقاءُ "العمل الجماعي" في التعاون على الدعوة إلى الله، ونشر العلم، وقضاء حاجات المسلمين، وإغاثة ملهوفهم، وتفريج كرباتهم - واجبٌ شرعيٌّ لا يمكن إهماله.

وضعف هذا "العمل الجماعي" داخل البلاد المسلمة مِن أعظم أسباب ضَعْفِهَا عُمُومًا؛ فالحكومات لا تَقْدِرُ على كل شيءٍ! وبعضُها لا يهتم بكثيرٍ مِن هذه الأمور -أو بِأَكْثَرِها!-؛ فوَجَبَ على المسلمين أن يتعاونوا فيما بينهم على ما أَمَرَهُم اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- به؛ ولا يحصل ذلك إلا بالرجوع إلى أهل العلم منهم، حتى يكون لِكِيانِهِم وطائفتهم أثرٌ في إصلاح الواقع الأليم الذي تتعرض له مجتمعات المسلمين.

نسأل اللهَ أن يَحْفَظَ المسلمين وبِلادَهم من كُلِّ سُوءٍ.

الصفحة السابقة