شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حائط "البراق" لا "حائط المبكى!"

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فحائط البراق هو السور الغربي للمسجد الأقصى، طوله 47م، وارتفاعه 18م، وعرضه 3.3 م، ومغمور منه تحت الأرض 19 صفًّا (سطرًا) مِن الحجارة الضخمة، يعلوها على سطح الأرض ستة أمتار مِن الحجارة المستطيلة الضخمة، يعلوها 14 صفًّا ( سطرًا) مِن الحجارة الأصغر حجمًا، تبدو أنها بنيت متأخرة عما سبقها، وأقرب أبواب المسجد للحائط يسمَّى (باب البراق)، وقد أغلقته قوات الاحتلال الإسرائيلية بعد احتلالها للقدس، وإعدادها ساحة حائط البراق للزوار مِن اليهود!

حائط "البراق" وقف إسلامي:

وهذا الجدار وقف شرعي إسلامي؛ لكونه جزءًا مِن المسجد الأقصى، ورغم وضوح ذلك تاريخيًّا عبْر قرون طويلة، فإن يهود هذه الأيام يزعمون كذبًا وزورًا أن هذا الحائط مِن بقايا الهيكل الذي بناه سليمان -عليه السلام-، ويتخذونه مزارًا دينيَّا لليهود مِن شتى بقاع الأرض! بل ورمزًا قوميًّا لدولتهم إسرائيل، برغم الفشل التام في إثبات أنه مِن بقايا هيكلهم، رغم الحفريات الكثيرة التي أُجريت حول الحائط والمسجد الأقصى، وتحتهما؛ بحثًا عن أي آثارٍ للهيكل في هذا المكان!

لذا فإن علماء الآثار لا يَعرفون لهذا الهيكل مكانًا محددًا حتى الآن، غير ما ذُكِر عنه في كتب أهل الكتاب مِن أنه بُني مرتين في هذه الأرض المباركة قبْل ميلاد المسيح -عليه السلام-، ودُمِّر مرتين؛ فتم تدمير البناء الأول في عهد "نبوخذ نصر" قبْل الميلاد، وتدمير البناء الثاني في عهد الحاكم الروماني عام 70 بعد الميلاد.

حائط البراق جزء مِن المسجد الأقصى:

- يُطلق المسجد الأقصى على كل الأسوار المحيطة بالمسجد مِن كل الجهات، وعلى كل ما يقع بداخل هذه الأسوار، فيتضمن: المسجد المعروف بالمسجد الأقصى الذي بناه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وهذا البناء مِن مناقبه، إذ هو إعادة لبناء سليمان -عليه السلام-، وإعادة المسجد مِن جديدٍ ليعبد الموحدون الله -تعالى- وحده في هذه الأرض المباركة، بعد ما وقع مِن اليهود مِن الكفر والشرك فُحرِموا منه، وعوقبوا بالشتات في الأرض مِن بعد هدمه -كما هو معلوم للجميع-.

- الساحات الواسعة غير المغطاة (بدون سقف) خارج بناء المسجد، ولكنها منه.

- مسجد قبة الصخرة الذي بناه الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان.

- المصلى المرواني الذي بناه الخليفة مروان بن الحكم.

- بالإضافة إلى المصاطب والأروقة، وأسبلة الماء والقباب، والأبواب والمآذن، وجدران المسجد، وسوره الحجري.

فاسم المسجد الأقصى اسم جامع للمسجد الذي بناه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، ولكل ما في ساحته وحوله، مما تدور عليه أسوار المسجد في الاتجاهات الأربعة؛ وعليه فالثواب المضاعف بالصلاة في المسجد الأقصى يناله المصلي بالصلاة في أي جزءٍ أو بناءٍ مما دار حوله سور المسجد.

وهذا الأمر مما ينبغي التنبُّه إليه؛ إذ أن الكثير مِن عوام الناس يظن أن المسجد الأقصى مقصور على الجامع الذي بناه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بسقفه ومحرابه ومنبره، دون الساحات المكشوفة غير المغطاة بسقفٍ خارجه، وتقع داخل السور الحجري.

وقد أصدر العلماء في الضفة الغربية في عام 1967م فتوى بذلك؛ للتأكيد على حقيقة مسمى المسجد الأقصى، وقد أيَّد مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر هذه الفتوى.

وقد ورد في قصة "الإسراء والمعراج" أن كفار قريش لما أخبرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإسراء إلى المسجد الأقصى امتحنوه بأن طلبوا منه وصف المسجد، فأخذ يصفه لهم ويذكر أبوابه بابًا بابًا، وهي ما تبقى مِن أبوابه وسوره بعد هدمه؛ فلما أخبرهم بذلك تحققوا مِن صدقه.

الفتوى الشرعية ببيان حدود المسجد الأقصى:

في 15-8-1967م قام الحاخام اليهودي (بريجادير شلومو غورين) بالصلاة مع مجموعة مِن أتباعه في ساحة المسجد الأقصى في حماية قوات الاحتلال الإسرائيلية، وأعلن عن عزمه على تكرار هذه الصلاة في ساحة المسجد، وعن عزمه على بناء كنيس يهودي فيها، زاعمًا أن الساحة ليستْ مِن المسجد الأقصى، وأنها يهودية!

وكرد فعل لذلك؛ صدرت فتوى شرعية جماعية مِن علماء المسلمين في الضفة الغربية المحتلة بتاريخ 22-8-1968م تبيِّن أن المسجد الأقصى هو جميع ما دار عليه سور المسجد، فيدخل فيه مسجد قبة الصخرة، وجميع المباني والساحات والأراضي داخل السور.

وتأييدًا لصحة الفتوى وسلامتها بأدلتها الشرعية والتاريخية؛ فقد أعلن المؤتمر الرابع لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الذي انعقد في أواخر عام 1968م موافقته عليها، كما أيَّد الفتوى أيضًا المؤتمر الخامس لمجمع البحوث الإسلامية في مارس 1970م بحضور علماء مِن العالم الإسلامي مِن خارج مصر.

ارتبط "حائط البراق" عند المسلمين بقصة الإسراء والمعراج، حين أُسري بالنبي -صلى الله عليه وسلم- مِن مكة إلى بيت المقدس، ثم عُرج به مِن بيت المقدس إلى السماء، حيث استخدم النبي -صلى الله عليه وسلم- في رحلته تلك دابة تسمى (البراق)، ومِن اسم هذه الدابة جاءت تسمية حائط البراق بهذا الاسم، وفي الحديث المرفوع: ( أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ، وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، فَلَمْ نُزَايِلْ ظَهْرَهُ -أي نفارق- أَنَا وَجِبْرِيلُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَفُتِحَتْ لَنَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَرَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني) ، وعند مسلم مرفوعًا: ( فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي تَرْبُطُ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ )، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ قَالَ جِبْرِيلُ بِإِصْبَعِهِ، فَخَرَقَ بِهِ الحَجَرَ، وَشَدَّ بِهِ البُرَاقَ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

وذكر ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره لأول سورة الإسراء أن البراق كان يحج عليه إبراهيم -عليه السلام-، ويزور به ابنه إسماعيل -عليه السلام- في مكة. وسمِّي البراق بهذا الاسم؛ لشدة بريقه، وقيل: لشدة سرعته كالبرق.

الصفحة التالية